هكذا وبعد قرابة العشرين عاماً من حرب واشنطن المزعومة على “الإرهاب” الذي أنتجته واستثمرت فيه إلى أبعد الحدود، وقسمت العالم بسببه إلى طرفين متناقضين”إما معنا أو ضدنا”، تعود أفغانستان بؤرة الإرهاب المصنع أميركياً بأموال حلفائها وأدواتها الخليجية مرة أخرى “إمارة طالبانية” متخلفة كما كانت في العام 1996 في مشهد دراماتيكي صادم، قليلون من كانوا يتوقعونه بالنظر للتصريحات الأميركية المتفائلة بمستقبل هذه البلاد الفقيرة بعد سقوط حكم طالبان والقاعدة في العام 2001.
عشرون عاماً من التدريب والتحضير والتجهيز والإنفاق – أكثر من 90 مليار دولار أنفقتها الإدارات الأميركية المتعاقبة حسب اعترافات جو بايدن – لبناء جيش أفغاني وتزويده بأقوى وأحدث المعدّات، إلا أنه تبخر في ساعة الحقيقة وانهار في غضون أيام قليلة أمام تقدم جماعة قادمة من المغاور والكهوف، وهو الذي يفوقها عدداً بنحو خمسة أضعاف، وعدة بما لا يمكن المقارنة، في الوقت الذي تباهت به الجماعة بانتصارها الخاطف بأخذ الصور التذكارية في أحد القصور الرئاسية في العاصمة كابول، بينما نجدأن الأميركيين وحلفاءهم يسابقون ساعات الليل لإجلاء رعاياهم في المطار وسط فوضى عارمة ورعب غير مسبوق في مشهد يذكر بآخر فصول الحرب الفيتنامية.
عشرون عاماً وأميركا بمسؤوليها وإداراتها المتعاقبة تضلل وتكذب على العالم بشأن حربها المزعومة على الإرهاب، وقد رآها العالم مرأى العين وهي تدعم كلّ أشكال الإرهاب والتطرف في منطقتنا وخاصة في سورية، فماذا كانت تفعل في أفغانستان طوال هذه السنوات إذا كانت كلّ “إنجازاتها” في هذه الحرب لم تعمر سوى أيام قليلة، حيث لا وجود لدولة أو جيش أو حكومة في هذا البلد المغلوب على أمره، حيث لم ير العالم سوى جماعة قادمة من قعر التاريخ ترفع رايات “الانتصار” وسط احتفالات بوق الإرهاب والتضليل المأجور قناة الجزيرة القطرية..!.
بعيداً عن الدخول في تحليل الحدث الأفغاني الغني بالدروس والعبر، ثمة درس كبير يجب أن يقرأه عملاء أميركا في مليشيا قسد الانفصالية، فأميركا حليف غير موثوق به سرعان ما يتخلى عن أدواته وعملائه وحلفائه إذا شاءت مصلحته ذلك، فلا سمعته تعنيه ولا وعوده تلزمه، فعلام يراهن الأغبياء في قسد إذا كان ينتظرهم نفس مصير عملاء أميركا في فيتنام وأفغانستان؟!.
البقعة الساخنة – عبد الحليم سعود