لم يعد يؤكد السلوك الأميركي ومن خلفه الغربي حالة التوجس والهستيريا التي باتت تلف الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين- بسبب التحولات العاصفة التي ضربت المسار الدولي الذي كانت تتقدمه وتوجهه وتتحكم بحركته – فحسب، بل بات يؤكد حقيقة إصرار الأخيرة على التمسك بنهج وعقلية وسياسات الاستعمار والسيطرة والهيمنة والحروب التي لا تزال تنتهجها بشكل علني ووقح وتدفعها باتجاه الفوضى والخراب والدمار.
أميركا اليوم ومعها شركاؤها وأتباعها الغربيون، أضحت أسيرة الهلع والكوابيس، في ضوء تداعيات العملية الروسية لمحاربة فلول النازية في أوكرانيا، لا سيما بعد توارد التقارير التي تؤكد أن أوروبا في حالة خوف حقيقي بعد توقف امدادات الغاز الروسية، وهو الأمر الذي قد ينذر بشتاء قاس على الغرب، وشتاء ملتهب على العالم.
الغريب في الأمر والذي يصل إلى حدود الدهشة، هو تلك التبعية العمياء والمفرطة للطرف الأوروبي الذي أضحى الضحية الأبرز للسياسات الأميركية، ولعل هذا الأمر تحديداً هو الذي يخلق مزيداً من الامتعاض لدى الشارع الأوروبي ومزيداً من التباينات والاختلافات في الموقف الأوروبي نفسه، حيال الكثير من القضايا والملفات والأزمات الإقليمية والدولية، خصوصاً تلك المتعلقة بالعملية الروسية في أوكرانيا، والملف النووي الإيراني، وهذه النقطة تحديداً تجسدت فيما قاله مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل على هامش اجتماع وزراء خارجية الدول الأوروبية في براغ، حيث أوضح أن بعض الدول الأوروبية طلبت إعادة النظر في العقوبات المفروضة على روسيا بعيداً عن الموقف الأميركي؟!، كما أن هذه التصريحات جاءت بالتوازي مع تواتر تحذيرات الإعلام الغربي من أن أوروبا ستواجه خريفاً سياسياً حاراً، وشتاء بارداً مليئاً بالغموض، بسبب غباء النخب السياسية الأوروبية وقصر نظرها الاستراتيجي، وهذا مرده طبعاً إلى أن الحكومات الأوروبية تتخذ قراراتها المصيرية بعيداً عن مصلحة مواطنيها، وهذا ما يبدو واضحاً من خلال تعاطي تلك الحكومات مع العملية الروسية، وانخراطها المباشر بالحرب لمصلحة الولايات المتحدة، حتى وإن كان ذلك على حساب أمن الأوروبيين واستقرارهم!!.