الثورة-أديب مخزوم:
لوحات الفنان إياد السليم زاخرة بمشاهدها الواقعية، القادمة من حضور أدق درجات الدقة في رسم مشاهد الطبيعة والعناصر الإنسانية والحيوانية وغيرها، ولقد كان يبحث ومنذ بدايات انطلاقته الفنية، حين كان في مطلع شبابه، عن حل لتجليات الرجوع إلى ينابيع الواقعية بحدودها القصوى، دون أن يخون مشاعره الذاتية، التي تترك أثرها الواضح على قماش اللوحة.
وأعماله تمنح عناصره المرسومة بألوان الزيت، خصوصية أسلوبية، حين يصوغ باللمسة اللونية المدروسة والواعية والهادئة والمتوازنة عناصر الأشكال، والظلال في تدرجاتها بين التعتيم والتفتيح.
ولقد وجد في جذوع الأشجار التي تأخذ حركات غير مألوفة، معبرة عن رؤى الخيال، مادة أساسية، أفسحت له المجالات، لرحلة الكشف عن أفكار تشكيلية مغايرة، والوصول إلى علاقة سوريالية، بين العناصر الإنسانية ومشاهد الطبيعة الصخرية، وهذا يبرز تنويعات التشكيل الحيوي الواقعي والخيالي الذي يسعى إليه.
هكذا يزاوج بين طواعية ما تمنحه اليد الصبور وتوازن التكوين، في خطوات بلورة اتجاهات نزعته الواقعية، مركزاً لإظهار حيوية الحركة. وهو في ذلك يجسد إيقاعات العناصر الإنسانية، وأشكال الطبيعة ومعطيات اللاشعور السوريالي للوصول الى اللوحة الغرائبية الحديثة، والتواصل مع تقنيات الرسم الكلاسيكي والواقعي في آن واحد.
وبذلك فهو يمتلك القدرة، على المجاهرة برؤى واقعية في حدودها القصوى، لاسيما وأن صالونات الفن في المدن الكبرى، سجلت خلال العقود الأخيرة، في بعض تياراتها، عودة إلى الواقعية المحدثة، في تفرعاتها وتشعباتها وتطلعاتها وبطريقة معبرة عن خصوصيات كل تجربة فنية على حدة.
هكذا كان إياد السليم يجسد أشكاله الإنسانية، برؤية فنية تستعيد تقنية المقدرة الواقعية، في إبراز تدرجات الظل والنور، والعناصرالصغيرة والدقيقة، حتى أنه يبرز طموحاً لإظهار التفاصيل المجهرية ، ثم ينتقل في قسم آخر من اللوحة ذاتها لتجسيد تداعيات ومعطيات اللاشعور السوريالي.
وهذا يعني أنه انطلق في تجسيد الأشكال المختلفة، من خلال تقيده بأدق درجات الدقة، في الرسم الواقعي، والذي يعطي الأولوية للمسة اللونية الهادئة والواعية، والبعيدة كل البعد عن اللغة التشكيلية الانفعالية والعبثية.
ومن خلال هذه الرقابة العقلانية المنضبطة، والمركزة يظهر هواجس الارتباط بفن جماهيري له قواعده الثابتة، وأسسه المتوارثة، والمفهومة من كل الشرائح والمستويات والأعمار.
ورغم دقته المفرطة في التعامل مع العناصر والأشكال، والتي يبحث من خلالها عن جماليات واقعية تقارب الصورة الضوئية الملتقطة بعدسة أمينة، لمعطيات الواقع الذي تراه العين في الأبعاد الثلاثة، فهو في النهاية يقدم لوحة تحمل بصمته وخصوصيته.
هكذا تبدو أشكاله رغم واقعيتها القصوى مرتبطة بشخصيته، لأنها تتأسس على مناخات لونية متقاربة، بعيدة الى حدود التعاكس عن العنف والصراخ اللوني الوحشي المقروء وبكثرة في لوحات الآخرين، كونه ينحاز إلى التعبير الهادئ، وإلى المشهدية البصرية الملطفة، ويبوح بما في أعماقه من مشاعر وأحاسيس.
ولوحاته على هذا تستنطق المشاهد الإنسانية وعناصر الطبيعة، في مظاهرها الخارجية، وبالتالي فهو يتجاوز إشكالية القطيعة القائمة بين الفن التشكيلي والجمهور، في المجتمعات العربية، كونه فنانا واقعيا واضحا ومفهوما، وقادرا على التقاط التفاصيل الدقيقة، كل ذلك بألوان هادئة ومساحات صارمة، تحدد الخطوط الخارجية للعناصر المرسومة حسب منطقها الواقعي ومنهجها التوليفي.
فالأجواء الواقعية المثبتة في تفاصيل الأشكال، هي حالة إيمائية تقتنص الإشارات وتدمج التفاصيل الحميمية للعناصر، لتعبر في النهاية عن قدرة التعاطي مع الموضوعات الإنسانية، على الإيقاظ والتجدد.
وعلى هذا الأساس يمكن القول إن إياد السليم، لم يكن عاشقاً للرسم الواقعي الدقيق فحسب، بل كان ولايزال يسعى لتحسس المادة اللونية، التي تحيط أو تسكن طبيعة العناصر، التي تعزف حركة الأشكال والأشياء والأماكن والمشاهد. بألوانه التي توازن بين اللمسة والأخرى بحركات متتابعة ومتداخلة ومتمازجة تلتقط لحظات مستمرة وصولاً إلى حالات الدمج بين رؤى الواقع ومعطيات الخيال.