لم يعد تعاطي الكحول أو المخدرات، المتهم الوحيد بذهاب العقل وأخذه إلى عالم بعيد عن الواقع.. اليوم هناك ظاهرة من الإدمان يمارسها يومياً الكثير من الأفراد وأكثرهم بطرق خاطئة دون الاكتراث أو التنبه لمخاطرها.
تبدأ قصة التعود من عمر السنة لدى غالبية أمهات هذه الأيام، حيث يقدم الجوال إلى الطفل لتسليته وإرضائه، فتضخ له الأم مقاطع من الأغاني أو الصور التي تحمل موسيقا هي نفسها لا تدري أي شيء عن تأثيراتها.
يتجول المراهقون بين مقاطع اليوتيوب ويختارون كلّ ما هو غريب وخاصة الموسيقا التي تدخلهم في عالم مختلف عن الذي يعيشونه، ويقيم الشباب اليوم أجواءهم الخاصة من خلال سماعهم لموسيقا غربية المنشأ والهوى، صاخبة جاذبة لمشاعرهم تكثر مقاطعها على “اليوتيوب” ويسميها العلماء بـ “المخدرات الرقمية”، ويطلق عليها مدمنوها من الشباب “موسيقا الهلوسة”، ويرجع ذلك لتشابهها مع تأثير حبوب الهلوسة، وتتعدى أحياناً نسبة مشاهداتها بنحو 145 ألف مشاهدة في اليوم .
محاولات يائسة للنجاة من أضرارها، وفقاً للكثير من ضحاياها، نتيجة ما تحدثه في انفصالهم عن الواقع، وتعثرهم في العودة إلى ممارسة حياتهم من جديد، الابتعاد عن الواجبات الدراسية وغيرها، وهذه هي الخيوط الأولى للتعلق بها. ولعل هذه المخدرات الرقمية ليست جديدة من حيث الظهور ولكنها اليوم تطورت بطرق طرحها تكنولوجياً وطريقة تأثيرها على الجيل الحالي.
اكتشفت هذه التأثيرات من خلال باحثي علم الفيزياء، أثناء دراستهم لتأثير الموجات الصوتية على الإنسان، وبعد أن كانت تستخدم سابقاً لعلاج الاكتئاب والقلق من قبل الأطباء النفسيين، هي اليوم تستخدم من خلال مقاطع مؤثرة تنشر على اليوتيوب على المواقع الالكترونية وفقاً لدراسات موجهة للتأثير على شريحة معينة من الناس وخاصة الأطفال والشباب.
يقول الكثير من الأهالي: يكفي بأن أبناءهم لا يخرجون من المنزل وهم جالسون مع أسرتهم أو في غرفهم إلا أن ذلك لا يدعو إلى الاطمئنان، فالوقوع في شباك هذه الموسيقا يتلخص عند سماع الشاب أو الفتاة مقاطع صوتية من خلال وضع سماعات خاصة أو مكبرات صوتية على الأذن، وسماعها في مكان منعزل، حتى تتمكن من إرسال ذبذباتها إلى المراكز العصبية بالمخ، وبحسب علماء الفيزياء فإن صانعي هذه الموسيقا يتعمدون بث المقاطع بمقياس 100 هرتز في الأذن اليمني و70 في اليسرى، ويعوض المخ الفرق بين الترددين بزيادة إفراز هرمون الدوبامين المسؤول عن السعادة والنشاط، مما يعطي سماعها شعوراً بالاسترخاء والهدوء.
وفي الحديث عن أبرز أنواع المخدرات مثل الكحول، والأفيون والكوكايين والتي يختلف الشعور فيها بين الهدوء والنشوة والنعاس، فإن موسيقا الهلوسة تعطي شعوراً بالطاقة والنشاط، بمعنى أن هذه المقاطع الصوتية للموسيقا تضاهي تأثير المخدرات الطبيعية. وقد رصد الدارسون أضرارها في سرعة ضربات القلب وفقاً لتغيير الحالة المزاجية، وقد تؤدي إلى اعتلال في التركيز وتشويش للذهن وتجعل الأشخاص غير مندمجين مع محيطهم.

السابق
التالي