لاتزال المشاعر الحقيقية تفعل فعلها في الحياة الإنسانية إذ هي تعكس واقع العلاقات بين الناس، وتنسج خيوط التواصل بين الأفراد، إلا أننا في السنوات الأخيرة بدأنا نلحظ ظاهرة ليست بجديدة، ولكنّها أصبحت جليّة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهي التزييف من خلال المجاملة، أو المبالغة في المشاعر سلباً، أو إيجاباً.
قد نسأل أنفسنا: وماذا في ذلك؟ أليست المجاملة أمراً لطيفاً، والمبالغة في المشاعر هي ليست أكثر من تعبيرٍ حرٍّ عما يختلج في النفس، ويعكس واقع العلاقات الإنسانية؟ لكن الأمر قد يتحول إلى نقيضه إذا ما كانت حقيقة الشعور تختلف عما يظهره المرء، ويعلن عنه، ليصبح ذلك عبثاً بمشاعر الآخرين، واستهتاراً بها، ولو كان بهدف تحسين العلاقات الاجتماعية العامة، أو العلاقة الشخصية بين طرفين، أو خلق نوعٍ من التقارب المحبب بينهما، أو حصد مقابل إيجابي يعود بالبهجة على النفس، ولو كان هو الآخر مزيفاً أيضاً.
لاشك أن المشاعر هي جوهر علاقتنا بالآخرين وبالعالم الذي نعيش فيه.. وهي جزء أساسي من الحياة الإنسانية، فهي تمثل تجربة عاطفية مباشرة يشعر بها الفرد في مختلف الأوقات، وتجاه مختلف الأحداث. كما أنها تعتبر جزءاً عادياً، بل طبيعياً من الوعي الإنساني بحيث لا يمكن تجنبها في الحياة اليومية، وهي في الوقت ذاته تغذي حياة الفرد بما لها من تأثير مباشرعلى التفاعل الاجتماعي، والصحة النفسيّة، وتجعلنا نتعرف على ذواتنا بشكل أفضل ما لم نحجّمها لنطلقها على سجيتها، كما تساعدنا على فهم ردود أفعالنا تجاه مواقف دون أخرى.
ومن هنا كان الصدق في التعبير عنها هو الأساس الذي تقوم عليه أي علاقة سوية، لكن ما أصبح شائعاً بتغذية من وسائل التواصل الحديثة هو عكس ذلك فتزييف المشاعر يتمثل بأوجه عديدة كإظهار النقيض، أو ما ليس له وجود أساساً، وذلك لغايات شتى يمكن تصنيفها في خانة الخداع، أو النفاق الاجتماعي.. إلا أن مَنْ يزيّف الحبّ، أو الصداقة عليه ألا يتفاجأ إذا ما انهارت تلك العلاقة في وقت قصير رغم ردود الأفعال الإيجابية التي يتلقاها أحد الطرفين من الآخر ذلك لأن النبتة التي انتشت كانت من بذرة فاسدة.
نحن نشعر بالحبّ، والغضب، والخوف، والحزن، وغيرها، وهذه جميعاً تعزز علاقاتنا الاجتماعية، وتطورنا العقلي، والنفسي، ولكن ما هي نتائج تزييفها؟ أليست هي السلبية، وما يتبعها من خوف، أو ندم، أو ضعف، وشعور بالخيانة للنفس وللآخرين، والشعور بعدم الرضا عن الذات، وربما فقدان الثقة بين الأطراف وعدم القدرة على التواصل بطريقة صحيحة.
عندما نكتم ما نشعر به حقاً لأجل أن نظهر عكسه للآخرين.. تصبح حياتنا شبكة من الزيف تترابط أجزاؤها بمزيد من الخيوط المتشابكة، لكن الحياة هي أبسط بكثير من هذه التعقيدات، فانطلاق الشعور الحر مادام في حدود ضوابطه، ودون تجاوز على الآخرين يظل أمراً صحياً.. لكن ما قد لا يعرفه بعضهم أن أغلب الناس هم من الذكاء بحيث يكتشفون في قرارة أنفسهم حقيقة التزييف، ولو أنهم ربما يرحبون بعبارات المودة، والامتداح لعلها تصل خيوطاً رهيفة من التواصل، أو تقبّل الآخر.. فهل هذا الأمر برمته صحياً، وسليماً أم أنه قد يأتي بما هو عكسه؟ بل إنه الخلل العاطفي الذي أصاب معظم الناس من خلال وسائل تواصلهم الاجتماعية التي أرست نسقاً جديداً من التعامل فيما بينهم.
وأياً كانت الأسباب، والدوافع وراء إظهار نقيض ما يشعر به المرء يظل التزييف كدائرة حمراء تنبه إلى خطر ما يجدرعدم الاقتراب منه.