رشا سلوم:
أن تكون شاعراً يعني أن تدفع من قلبك ودمك الثمن، وربما حياتك كلها فتمضي بك إلى مهاو لا أحد يعرف قرارها كما فعل الكثيرون من المبدعين، ومن هؤلاء الشاعر عبد الباسط الصوفي الذي قضى منتحراً في الغربة وتمر في هذه الأيام ذكرى مأساته.
-محطات..
ولد ودرس في مدينة حمص السورية، حصل على الشهادة الثانوية في 1950، وبعد حصوله على الشهادة الثانوية تم تعيينه مدرساً فعمل في قرى محافظة حمص مدة سنتين، وفي سنة 1952 التحق بالمعهد العالي للمعلمين وحصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي في 1956، درّس بعدها اللغة العربية في مدارس محافظتي حمص ودير الزور حتى شباط 1960، أوفدته وزارة التربية والتعليم لتدريس العربية في غينيا في 1960، وهناك أصيب بانهيار عصبي وقام بعدة محاولات انتحار، ومات في مستشفى في كوناكري في 20 يوليو 1960، ونُقل جثمانه بحراً إلى بلده حيث دفن بعد شهرين من وفاته.
– من أعماله..
يصنف نتاجه ضمن الرومانسية كما تقول الدراسات النقدية، ويوصف بالتشاؤم والانطواء والحزن، صدر له ديوان شعر وحيد «أبيات ريفية» عن دار الآداب بيروت في 1961، كما أصدرت وزارة الثقافة والإرشاد القومي في سورية في سنة 1968 «آثار عبد الباسط الصوفي الشعرية والنثرية»، من قصائده:
«ليالي الحب» (مجلة النواعير – حماة – العدد 34 – أكتوبر 1947).
«مدينة العزب» (مجلة الثقافة – دمشق، نوفمبر 1958).
«سبوتنيك» (مجلة الآداب – بيروت – سبتمبر 1959).
«مأدبة للقمر» (مجلة الآداب – بيروت – نوفمبر 1959).
«فنجان قهوة» (مجلة الآداب – بيروت – ديسمبر 1959).
ونختار من اروع قصائده:
توهَّجَتْ أكوابُنا فاقفزْ إلينا يا قمرْ
فجَّرْتَ هذا الّليلَ ينبوعيْ ضياءٍ وصورْ
وانزلقَتْ أقدامُكَ البيضُ على رأسِ الشَّجرْ
من الكُوى، من فرجةِ البابِ تلمّسْ منحدرْ
واسقطْ حبالَ فضَّةٍ مغزولةً من الشَّررْ
(2) فاكهةُ الصّيفِ على شبّاكِنا معلّقة
ومن عناقيدِ الكرومِ خمرُنا معتَّقة
هذي سلالُ وردِنا مضفورةٌ، مزوَّقة
عنا أحاديث الهوى يحكونها منمّقة
فقصّةٌ صادقةٌ وقصةٌ ملفّقة
(3) قالوا: سرقْنا من قميصِ الفجرِ منديلَ غزلْ
واحترقَتْ ضيعتُنا وهْجَ عناقٍ وقبلْ
واختبأَتْ أسرارُنا خلفَ ضلوعٍ ومقلْ
والّليلُ! آهِ اللّيلُ في عيوننا ما أعمَقَهْ
(4) قالوا: خلقنا من صباباتٍ ومن لفحِ شغفْ
تحيا المواعيدُ على شفاهِنا وتُقتطفْ
ومن جديلِ المرجِ عرزالٌ لنا ومنعطَفْ
ونطعمُ الحياةَ من قلوبنا المُمَزَقة
صديقتي، لم يبق، في عيوننا، بريقْ
لم يبق، في ضلوعنا، تلهّفٌ عميقْ
أقدامنا، تمضي بها جنازة الطريقْ
وتجهش الخطى، على رصيفنا العتيقْ
* * * أنوقظ الثعبان، من جحوره
ننفخُ، في الطين بقية الشغفْ!؟
صديقتي، أظفارنا جائعةٌ
باحثةٌ .. عن كفنٍ، وعن جيفْ!!
* * * على ثلوج الصمت، يزحف الظلامُ
عابس الجبين بارد القدمْ
ونحن، في ذهولنا العقيم غارقان
نمضغ الظنون، والسأمْ
* * * أزهارنا، على دروب فجرنا
نغرسها، قصاصةٌ من الورقْ
ونوصد الأبواب ، في وجه الحياة
للهموم، والوجوم، والقلقْ
* * * مازال بعض الجمر، في أعماقنا،
في دمنا، في نبضة الوريدْ
في قلب هذي الأرض ميلاد الحياة
للشموخ، للمدى البعيدْ
للفرح الأبيض، للإيقاع، للإنسان
يملأ الذرى، سعيدْ
* * * صديقتي، ما زال، في عيوننا، بريقْ
مازال، في ضلوعنا، تلهّفٌ عميقْ
فلنمض، في طريقنا، فترقص الطريق
* * * قد ينهض الربيع، في دروبنا
تنتشر الدروب، طيب العبقْ
قد تسقط النجوم، في سلالنا
ونجمع الغيم، ونعصر الشفقْ
قد تكشف البحار، عن كنوزها
عن مجدها الدفين، راعشَ الألقْ
قد تهبط السماء، من عروشها
فنهدم الليل، ونغسل الغسقْ
* * * صديقتي، قد ينهض الربيع، قد يفيقْ
ويرتمي الصبح، على شبّاكنا، غريقْ
ويستريح ظلنا، مبترداً، وريقْ
قد تمَّحي كلّ الحدود، عالماً طليقْ
وتركض اللحظات في حبورها الدفيقْ.

السابق