د. مازن سليم خضور
سابقاً اعتمدت دول الاستعمار السيطرة على مقدرات الدول التي استعمرتها من ثروات نفطية ومعدنية وزراعية لأكثر من سبب منها الإبقاء على ضعف وجهل تلك الدول وأيضاً لزيادة تفوقها واستفادة من الثروات تلك في الحصول على الأموال الطائلة التي صرفت قسما كبيرا منها على الأبحاث العلمية والعملية على عكس الدول المحتَلة التي أصبح هدفها التخلص من الاستعمار والفقر والتخلف .
وبعد ان أطبقت على الثروات الطبيعية والباطنية والمائية والزراعية أصبح الهدف الأساسي لها السيطرة على العقول
لاسيما أن الثروة الحقيقية تكمن في العقول و المواهب ما يتطلب عناية ورعاية من نوع مختلف لتطوير هذه القدرات والمهارات وتشجيعها على الاستمرارية والديمومة من خلال خلق بيئة ملائمة ومشجعة عبر مناهج مناسبة وأدوات ومخابر والأهم إيجاد المحفز والدعم بكل أشكاله المادي والمعنوي.
هذا ما يفسر اتجاه معظم الدول الغربية إلى رعاية وجذب المواهب والطاقات من أصحاب العقول ورعايتهم وتبنيهم وأصبحت دولا مستوردة وجاذبة لهم على عكس أوطانهم التي أصبحت بيئة نافرة لتلك العقول وهذا ما شجع ” هجرة العقول”.
التغيرات الحاصلة لدينا في المؤسسات التعليمية والصحية والاجتماعية والحكومية وغيرها تفرض عليها القيام بتحولات جوهرية وحقيقية من أجل النمو ومواكبة التطور وبالتالي النجاح في تحقيق الأهداف .. ولعل الأداة الأهم و الأغلى التي يجب الاهتمام بها هو الإنسان الذي يُعتبر المحرك الأساسي في تلك المؤسسات وبالتالي يجب تمكينه وتنمية مهاراته ومعارفه وتطويره وإكسابه مهارات جديدة تتناسب مع متطلبات التغيرات الحاصلة، وهنا يبرز دور القيادة في العمل التي يجب أن تتحلى بمجموعة من الخصائص والصفات من أهمها الفكر الإبداعي .. يعرّف التفكير الإبداعي بأنه عملية ذهنية معرفية نشطة تهدف إلى مساعدة الفرد على أن يكون في وضع أفضل مما هو عليه.
أي يجب دائما التفكير خارج الصندوق أي الابتعاد عن التجارب والأفكار والحلول السابقة والسماح للعقل أن يختبر كل فكرة مهما كانت سخيفة أو غريبة دون ترشيح أو انتقاء، وهي مهارة بالأساس ترتكز على الإبداع.
من أهم أخطاء التفكير المبدع المبالغة في تقديس بعض الشخصيات حتى ينظر لهم كمعصومين عن الخطأ والاهتمام ببعض الجزئيات و الجمود الفكري الذي يتمثل بعدم قدرة الفرد على رؤية وجهة نظر الطرف الآخر وإصراره على رأيه.
المنطق العلمي يتحدث عن التفكير الإبداعي والذي يعني التفكير والبحث عن حلول غير نمطية واعتيادية وأعطي مثالا عن هذا بقصة قصيرة بسيطة وهي قصة الخمار الأسود وأهم ما فيها التفكير خارج الصندوق والوصول إلى نتائج حقيقية والأهم واقعية الطرح .
يروي ” الأصفهاني ” في كتابه ” الأغاني ” أن تاجراً من الكوفة قدِمَ المدينة المنورة بخُمرٍ “جمع خمار”، فباعها كلها وبقيت السُّود منها لم تُقبل عليها النساء، وبقيت بضاعة كاسدة في وجه صاحبها.
فشكا التاجر لصديقه الشاعر ما صار إليه أمر تجارته؛ فقال له الشاعر ويدعى الدرامي : لا تقلق، فإني سأبيعها لك.
ثم أنشد قائلا :
قل للمليحة في الخمار الأسودِ ..ماذا فعلتِ بناسكٍ متعبدِ
قد كان شمّر للصلاة ثيابه ..حتى وقفتِ له ببابِ المسجدِ
رُدّي عليه صيامه وصلاته ..لا تفتنيه بحق دين محمدِ
فانتشرت الأبيات بين الناس، وأقبلت النسوة على الخمر السود، وباع الكوفيّ بضاعته ومضى في سبيله، وعاد الدراميّ لتنسكه وعبادته.
ليكون السؤال متى يقرر أصحاب القرار في الشأن الخدمي والمعيشي التفكير خارج الصندوق والبحث عن حلول إبداعية ؟
وإلى كم درامي نحتاج ؟
