الملحق الثقافي- عبد الكريم العفيدلي:
بعيداً عن صراعه مع شوقي الذي لم يبدأ بكتابه «الديوان» والخلفية السياسية لأرائه النقدية الحادة، لوعدنا إلى المشهدية الثقافية بالقرن العشرين وأخذنا «عباس محمود العقاد « كمثال فقد أبدع بالنقد من خلال ماقدمه من دراسات وأراء نقدية ساهمت في إثراء المشهدية، والإبداع بالنقد لم يأخذه بعيداً عن الإبداع بالشعر وصنوف الأدب الأخرى ومثل هذه التجربة لو وقفنا أمامها بلاشك تشكل ظاهرة تمحو الحدود بين الأجناس الأدبية وتقضي على على زمن الإختصاص في جنس أدبي واحد.
ولاتوجد أي موانع من أن يكون الناقد كاتباً أوشاعراً أو مسرحياً إنما يجب أن يكون متمكناً من أدواته وصنعته ويحسن الفصل بالمخاض بين النقد والكتابة بأي جنس آخر، ومن وجهة نظري أن الناقد الحقيقي-إن وجد- هوكصائغ الذهب المحترف وحده من يعرف أنواع الذهب وعياراته لذلك بالضرورة يجب أن يكون مبدعاً.
وهذا يقودنا للسؤال أين الصائغ المحترف في سوق كثر به «الفانصو»؟
بعيداً عن النظريات النقدية المتبعة في أدبنا العربي والتي في الأغلب متأثرة بمدارس نقدية غربية وشرقية كالشكلانية والبنيونية والاشتراكية ومحاولات الثورة عليها أو مايسمى بالمنهج التاريخي من خلال التفكيك الذي يعتمد في جوهره على علم النفس نستطيع القول: إن المشهدية الثقافية بالعالم العربي تفتقد للنقاد الحقيقيون فكل مايكتب من نقد حالياً لايتعدى كونه انطباعات تغلب عليها العاطفة والتقليد للمدارس الغربية، نحن الآن بأمس الحاجة لإعادة بناء المنهج النقدي الإبداعي الذي يقوم بأساسه على»الغربلة» التي من خلالها نستطيع الفرز بين الغث والسمين.
لا يعقل أن الساحة أصبحت تعج بأدعياء الشعر والأدب، ويأتي شخص ما يسمى ناقداً لا يمتلك من أدوات النقد شيء بأي كلام عاطفي يسوق لهم ويقدمهم على أسماء كثيرة ومهمة بقيت حبسية الكواليس لاعتبارات لاتمت للحالة الأدبية والإبداعية بصلة.
نحن الآن بحاجة لمدرسة نقدية جديدة تجمع نخبة من المتخصصين لاتشبه ماسبقها من نظريات ومدارس تواكب الحركة الثقافية بالعالم العربي وتكون بعيدة كل البعد عن مواضيع الشخصنة في تناول النصوص.. تعلي من القيمة الأدبية وتشير بحدة إلى المستويات الهابطة والعبثية وتجنب الذائقة التصحر الثقافي الذي أوصلتنا له الشللية والواسطة ومواقع التواصل الاجتماعي التي تفتقد الغربال النقدي.
العدد 1178 – 13 -2 -2024