تحسم الأيام بعضاً من ذواتنا،
وتنهب الأحلام كلاً من وجداننا.
فيما تسرق الأكاذيب جوهر عقولنا وتفكيرنا، لنسقط في متاهات الضياع.
وتعمل الحوادث على تغيير مواقفنا من جانب إلى جانب آخر، كما ينقل المقاتل بندقيته من كتف إلى الكتف الثاني أو يديرها خلفاً لتفجير القاعدة التي انطلق منها، مسقطاً كل القيم والمبادىء في مستنقع الخيانة والرذيلة، لتبقى امرأة بذاتها قادرة على استعادة دور جدتها (هيلين)الجميلة في قدرتها على إشعال حروب تمتد لإحدى عشرة سنة ما بين إسبارطة وطروادة، فيقضي أشد الأبطال قوة في ساحات النزال، ويهنأ الجبناء والضعاف برغد العيش ويخضعون للقوي الباغي ولا تعلو لهم همة، وفي الوقت الذي يقتل فيه الأبطال، تعقد الاتفاقيات، ويتعاون أكثر من طرف، فيما لازالت النظرة إلى هيلين الجميلة موضع نزاع ما بين باريس المتيم بها والذي يرى فيها ملاكاً هبط على أرض طروادة، فيما يراها الأثينيون والإسبارطيون والطرواديون مجرد خائنة لعوب، وبغياً أغوت الأمير الضيف المدلل، وأوقعت القتال بين الأخوين.
ولم يقف الأمر عند هيلين وحدها، فهي قد تناسخت مثيلاتها في مناطق وأزمنة مختلفة لتكون حفيداتها ساحرات في اختلاق الحالة التي ترمي الفتنة وتشعل شررها حروباً لا يطفىء نارها إلا الكثير من الضحايا من الأبرياء ومن الأبطال الكبار، فهل تختلف الأزمنة فتختفي الفتنة ويحتكم العقل والمحبة ؟
ربما ما زالت هذه الحكاية تتكررعلى مستويات مختلفة، تظهر للملأ حيناً، وتضيع بين متاهات الحياة وأكاذيب الغانيات ممن يتلاعبن بمشاعر البسطاء الحالمين بعلاقة طيبة، قد تجد ضالتها في غفلة من المشاعر الجياشة، وعدم القدرة على التحكم فيها، فيجد المرء نفسه مكبلاً من أدنى الأخمصين حتى ذروة الرأس بسلاسل وقيود قصّت من شعر شمشون قبل أن يهدم المعبد ويقضي على نفسه قبل أن يقضي على أعدائه.
مصادفة تسوقها وسائط الاتصال الحديثة، فتستحيل تواصلاً لا ينقطع، ويتحول معها العالم الافتراضي إلى واقع معاش يكفر بالماضي كله، ويبني لعلاقة لا يفنيها الدهر.
هي حالة أشبه بالمستحيل تتجاوز هيلين الجدة اللعوب، فتجمع بين قلب محطم لم يعرف العشق إليه سبيلاً، ولم يخفق قلبه باسم أنثى ذات يوم مضى، وبين قلب ضائع تقاذفته الأقدار بين قساة ومستغلين، وهو ينتظر صدراً ما عرف الرجس يوماً، ولا حملته قدماه إلى فاحشة، فيختفي الزمان، وتموت الحكاية، ويبرز وجه طفل بين غيمات المساء.

السابق
التالي