هذا هو الواقع المعاش والتسلسل التاريخي الذي عشناه وعرفناه منذ مئات السنين، فما كان يرسم خفاياه الغرب من مخططات ومؤامرات لتنفيذها في بلادنا، تحولت إلى حقائق واقعة وملموسة وتم تنفيذها بدقة واتقان، وهي إن تأخرت حيناً لسبب طارئ أو تداخلات غير محسوبة أو ظرف خارج عن الإرادة البشرية، فإنها لا تلبث أن تتابع آليات تنفيذها وفقاً للخطة التي رسمت على الأوراق أو تم توقيع بنودها في الغرف الخاصة أو الأندية الاستعمارية، إذ إن الاكتشافات الجغرافية قد فتحت شهية الغرب الأوروبي، حامل وصانع وناشر ومنفذ السلوك العدواني الجرائمي لوضع مخططاته للسيطرة على الشعوب ومقدراتها البشرية والمادية وخيرات بلادها.
فمنذ القرن الخامس عشر بدأت معاناة العرب والمسلمين ومعهم شعوب أفريقيا والقارة الأميركية وأستراليا الأصليين، إذ كان يفترض أن يموت معظمهم فيما الباقون يتحولون إلى عبيد وخدم بعد أن تقطع علاقتهم التاريخية بجذورهم وأجدادهم وبعد ذلك يتولى الأوروبيون مسؤولية إدارة تلك البلدان ومقدراتها كاملة.
وما يخصنا كعرب كان أمر وأدهى، فقد بدأت المؤامرات تحاك لإنهائنا منذ بداية عصر الاكتشافات الجغرافية، الذي تم فيها تغطية الأهداف البعيدة، لتبدأ بعدها العمليات التنفيذية في تقسيم وطننا الواحد وزرع الكيان الصهيوني في وسطه وإمداده بمختلف أسباب القوة والسيطرة فضلاً عن الماكينة الإعلامية التي عملت على قطع صلات الماضي وبناء رواية ملتبسة ترفض التراث الثقافي والحضاري وتشكك في بطولاتنا وتسيء لأبطالنا التاريخيين، وتسقط مخترعات ومكتشفات علمائنا وتنسب النظريات العلمية والأدبية والفنية لسارقيها من الأوروبيين والأميركيين والصهاينة لدرجة نبدو خلالها وكأننا أمة مستجدة لا تملك تاريخاً طويلاً من الأمجاد والعطاءات التي طالت البشرية وتركت انعكاساتها الطيبة فيها.
ولعل آليات الرد الذاتي منا على امتداد تلك القرون تمثلت في الاستجابة وربما الاستسلام للخيارات الغربية في رسم السياسات التي تضر بنا، فيما تخدم مصالح المعتدين!!!