ترى هل غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي من عمق تجربتنا الحياتية؟ سؤال يحق لنا طرحه في عالم اليوم، حيث ينساب التدفق المتواصل للصور، والكلمات عبر شاشاتنا الصغيرة، لتصبح حياتنا أكثر ثراءً، وبصيرة، فمن خلال هذه المنصات الرقمية، نجد أنفسنا منغمرين في قصص الآخرين وتجاربهم، وكأننا نحذر بعضنا بعضاً من المطبات، والانعطافات التي قد تنتظرنا في رحلتنا الحياتية.
فليتخيل أحدنا أنه يسير في طريق مظلمة، وفجأة يجد شخصاً ما قد سبقه إلى هذه الطريق ليقدّم له إنارةً خافتة تحذّر من الحفر التي وقع فيها هذا الغريب، ومن المنعطفات الخطرة التي واجهها، هكذا باتت منصات التواصل الاجتماعي، فكل قصة نشاركها هي كإنارة صغيرة تضيء طريقاً، وتجعلنا نتعلم من أخطاء الآخرين، ونستفيد من خبراتهم، ونختصر الزمن الذي قد نضيعه في ارتكاب الأخطاء ذاتها.
لقد توسعت آفاق التجربة بحيث لم تعد تجربتنا الشخصية مقتصرة على إطار حياتنا الضيق، بل امتدت لتشمل تجارب ملايين الأشخاص حول العالم، نتعرف على ثقافات مختلفة، ونستمع إلى قصصٍ ملهمة، ونكتشف مواهب جديدة، كل هذا يوسع من مداركنا، ويجعلنا أكثر انفتاحاً على مَنْ حولنا، وكأن هذا الأمر قد تحول إلى كنزٍ من الحكمة المشتركة.
إن صناعة مجتمعات افتراضية عبر منصات التواصل الاجتماعي ما يجعل الناس يجتمعون حول اهتمامات مشتركة، وفي هذه المجتمعات إن لم يسد التنمر فقد يجد المرء الدعم، والتشجيع، وأنه ليس وحده في مواجهة تحديات تعترضه، ليزيد هذا من الشعور بالانتماء، ويعزز من الثقة بالنفس، ويشجع على الصمود في وجه الصعاب.
فعندما يشارك أحدنا قصته مع آخرين إنما هو يخطو باتجاه تعميق الفهم للذات وللآخر في الوقت ذاته عندما يكتشف أنه ليس مختلفاً عن هذا الآخر بقدر ما كان يظن، وأن المشاعر والأحاسيس التي يشعر بها إنما هي مشاعر إنسانية مشتركة. ولكن، هل كل هذه المشاركة هي بالضرورة إيجابية؟.. بالطبع لا، فإلى جانب ما هو إيجابي تكمن جوانب سلبية لابد من أخذها بعين الاعتبار إذ قد تؤدي المقارنة المستمرة بين حياة الفرد وحياة آخرين إلى الشعور بالدونية ربما، أو الحسد، والغيرة، أو أنه قد يقع في فخ المبالغة في عرض الجانب الإيجابي من حياته، مما يخلق صورة غير واقعية عن السعادة التي قد تجعله أيضاً عرضة للتنمر.
لقد أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي، والمواقع الإلكترونية ثورة في طرق التواصل حتى أصبحت ساحةً لعرض التجارب الإنسانية، وتبادل الأفكار والمعارف، والتفاعل البشري الحقيقي.. بعد أن تحولت منصاتها إلى فضاء واسع نتشارك فيه قصص حياتنا، أفراحنا وأحزاننا، نجاحاتنا وإخفاقاتنا، وكأننا نمدّ أيدينا عبر شاشاتنا لنقول للآخر: لقد مررتُ بهذه التجربة، وحملتني دروساً قيمة، فاحذر.
هذه المشاركة المفتوحة للتجارب قد غيّرت بشكل جذري من طبيعة تجربتنا الحياتية فجعلتها أكثر وعياً، وأعمق دراية، وأوسع نظرة إلى أمور الحياة والعلاقات الإنسانية التي تجمع إليها البشر جميعاً.. فما من أحد بات يقتصر على تجربته الخاصة، أو دائرة معرفته المحدودة. وإذ نطلع على قصص الغير فإن كل قصة تلقي الضوء على جانب من جوانب الحياة التي قد لا نكون على دراية بها.
إن هذا التدفق المستمر للقصص والتجارب عبر وسائل التواصل الاجتماعي يشكل شبكة من الروابط البشرية التي تربطنا جميعاً، وبينما نتعرف على تفاصيل حياة الآخر، نجد أنفسنا بالتالي أكثر تعاطفاً، وتفهماً للتحديات التي قد تواجهنا في مسيرتنا الخاصة، وبذلك، تصبح تجربتنا في الحياة أكثر ثراءً وعمقاً عندما نتشارك في رحلة البشرية الموحدة، وكيف أن تجارب بعضهم أصبحت مصدر إلهام لغيرهم من الناس.