الملحق الثقافي- هالا محمد خليل:
يقول غسان كنفاني:
عليك أن تبني في نفسك شخصاً لا يحتاج في اليوم الصعب إلى ملجأ
عبـر عقود ذاقت الأمة العربية من نيـرّ الاحتلال وما خلّفه من قهر وظلم وطغيان، فكان لابدَّ من ولادة شعلة تولد من رحم الألم.
ولم يكن السوريّ بمعزل عن ذلك، ولكن ما ألمّ به في العصرالحديث فاق الوصف والتصوّرات، فقد استخدم العدو-ولم يكن محدد بعينه فقد تعددت جهات العدو، وتعدد داعميه- كافة الأساليب التقليدية والتكنولوجية، منذ عام 2011 وحتى يومنا هذا.
بعد 2011 بعدة سنوات، كان لا بدَّ لهذا السُّوري المقاوم الذي عصر قلبه الألم، ألم وطن جريحٍ وأخ شهيد وأخ مخطوف وأخٍ أسيرأو معاقٍ، أن يكتب بقلم المقاوم تأريخ مرحلة صعبة لتكون عين الحاضر وعين الماضي لأجيال المستقبل.
ظهرت عدة مؤسسات تُعنى بكتابة تلك المرحلة منها «مؤسسة صباء بيت الفن والأدب» تبنَّت عنواناً لها لتأريخ وكتابة الأدب والفن المقاوم بأقلام جيل من الشباب عاشوا تلك المرحلة الممتدة بين 2011 ـ إلى اليوم. عبر إقامة ورشات لكتابة (القصة ـ الرواية والمسرح وفن الرسم)، لخدمة ما يسمى «أدب المقاومة الوطنية». سافرت بورشاتها عبـرأغلب المحافظات السورية، حيث أَقيمت الأسبوع الماضي في محافظة اللاذقية بالتعاون بينها وبين اتحاد الكتاب العرب ، ورشة لكتابة القصة القصيرة ، استمرت لمدة خمسة أيام، حاضرت الكاتبة «هدى وسوف» بها حيث تمّ خلال الجلسة الأولى شرح وتعريف الأدب المقاوم، ثم تعريف القصة القصيرة وشرح تفصيلي لمراحل كتابتها: التي تبدأ بمرحلة الحدث أو الموقف، ومن ثم الوسط أو التشابك، ومن ثمّ مرحلة النهاية التي تسمى مرحلة اكتمال المعنى (لحظة التنوير). كما تمّ شرح الفرق بينها وبين كتابة الرواية.
انتقلت المُحَاضِرة بعدها إلى شرح وتطبيق عملي من خلال قصتين هما أُنموذجاً للسوري الذي يحمل روح المقاومة أينما حلَّ من خلال قصة «بحارمن أوغاريت» للكاتب حسن م يوسف، وقصة «طبق سحري» للكاتبة سوسن حسون (وهي من جيل الشباب) كإسقاط على الأدب المقاوم.
سأتناول في تقريري قصّة «بحارمن أوغاريت» وأترك قصة «طبق سحري» للقارئ.
«العودة إلى ميناء سانت جون غير واردة مطلقاً، والانتظارلحين وصولنا إلى ميناء هاليفاكس مستحيلة».
تلك الجملة كانت بداية قصّة «بحارمن أوغاريت» ومقدّمتها. حمولة يجب أن تصل في موعدها للحؤول دون الوقوع تحت الشرط الجزائي، انفجارأنبوب وحدة التبريد وما يتأتى عنه من تداعيات تودي إلى عدم الإقلاع مرة أخرى، وتتشابك الأحداث وتتعقد، لأن الأنبوب المنُفَجر يمرُّ بنفقٍ ضيقٍ لا يسمح بارتداء كمامة، وعديم التهوية، ويحتاج إصلاحه من خمس إلى عشر دقائق، وهوما قد يسبب الاختناق لمُصلِحِهِ من جرّاء الغازات المنبعثة.
حملت السفينة ذاك الرجل السوري الذي عَمِلَ لفتـرةٍ غواصاً، فكان الأمل الوحيد لهم في النجاة.
«أنت أملنا الوحيد أيها السوري، يجب أن تتصرف فوراً».
انطلق بطل قصتنا «خالد البحري» وبيده شعلة الأكسجين على مقربة من وجهه، وليشرح لنا مسيرة إصلاح الأنبوب مستخدماً كلّ مهاراته التي تعلمها من فنون الغطس إلى أن بدأ يستنشق الغازات السامة وتفقده وعيه، ليستفيق في ميناء هاليفاكس في أثينا.
كابَرَ على نفسه ورفض مغادرة السفينة، ليكمل رحلته إلى كاركاس، وفي اليوم التالي ازدادت حالته سوءاً، لكن كلما ناداه القبطان بالسوري، زادت غبطته وفخره:
«تماسك أيها السوري عصر الغد نصل إلى ميناء بوسطون، تماسك».
أحسَّ أن نهايته قد دَنَتْ، لكن ذكرى ماريا وتفاصيل علاقتهما، أدفئت عروقه الباردة، وشدته إلى الحياة مجدداً.
وقد كان هناك اسم آخر سرى في جسده مسرى البلسم المداوي للجرح «رأس الشمرة ـ أوغاريت» مسقط رأسه.
عند وصوله ميناء بوسطون، وخمَّن أن رحلة العذاب والمرض ستنتهيان، لكن مساعد القبطان قال له: «أيها السوري يبدوأنك شخص غيرمرغوب به في بلاد «الشت».
يبدو أن تكون سورياً هي تهمة شائبة في تلك البلاد الوقحة.
«نعم سوري منذ الولادة، وحتى الموت».
ويستفيض في الكلام ويقول: كيف أن رأس الشمرة مسقط رأسه هي عاصمة مملكة أوغاريت، كان قصر ملكها بحجم البيت الأبيض حالياً، وفيها أقدم أبجدية في تاريخ البشرية، كان ذلك قبل أن يكتشف كولمبوس بلاد (الشيت) بأربعة آلاف عام.
فقط لأنه سوري، وأراد الحصول على الرِّعاية الطبيّة، والنـزول من السفينة على الأرض الأميركية، كان يقتضي لذلك وضع الأصفاد في يديه، لكن رفعتَ ذلك السوريّ من رأس الشمرة قابلت شرطهم برفضِ رعايتهم ورفض إهانتهم له ولجنسيته، وقابلها بعزة نفسه آمراً الشرطي بالذاهب إلى الجحيم.
وصلت قصة «بحار من أوغاريت» إلى نهايتها بتحقيق الشرط الثالث من شروط كتابة القصة، وهو شرط اكتمال المعنى (لحظة التنوير).
اختتمت الكاتبة والمُحاضِرة «هدى وسوف» أيام الورشة القصصية بالطلب من المشاركين بها، بكتابة قصة قصيرة تتماشى مع ما تمّ شرحه من شروط كتابة القصة القصيرة ـ أدب المقاومة الوطنية، وتمّت قراءة القصص المكتوبة في اليوم الأخير للورشة.
سيجري الزمنُ متسارعاً، وتأتي أجيالٌ سورية، ربما تكون أزمنتها أجمل وأرحب من تلك الحقبة التي عاشها السوري منذ عام 2011، فكان لابدَّ من أقلامٍ تؤرخ قصصاً واقعيةً حدثت أو خيال يشبه ما حدث لأشخاص ضحّوا وصبروا، وكان الوطن هو قبلتهم.
الشكر لمؤسسة «صبا بيت الأدب والفن» على مشروعها المقاوم بأقلامٍ شابةٍ، قد يكون لهم مستقبلاً في عالم الكتابة.
العدد 1216 –3- 12 -2024