الثورة – ناصر منذر:
على خلفية إعلان تشكيل الحكومة السورية الجديدة، أكدت العديد من دول العالم، بما فيها الأمم المتحدة، أن هذه الخطوة تظهر التزام القيادة السورية بدفع عملية الانتقال السياسي بقيادة السوريين وملكيتهم على نحو شامل، وأبدت هذه الدول استعدادها للتعاون مع الحكومة لتحقيق المصالح المشتركة.
وقد أكدت سوريا من جانبها، أن هذا الدعم الدولي يشكل حافزاً قوياً لمواصلة مسيرة الإصلاحات وتحقيق تطلعات الشعب السوري في السلام والاستقرار، معربة عن استعدادها للتعاون الوثيق مع المجتمع الدولي لتلبية احتياجات الشعب السوري والمساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.
وانطلاقاً من ذلك، يمكننا القول إن سوريا تسير بخطا واثقة ومدروسة نحو مرحلة جديدة من الاستقرار، رغم أنها لم تزل تعيش مخاض عملية التغيير بعد سقوط النظام المخلوع، ولكنها تقطع أشواطاً كبيرة في التغلب على التحديات الداخلية والخارجية، لاسيما وأنها كسبت الرهان في استعادة دورها ومكانتها على الساحة الدولية، وتمكنت قيادتها في وقت قصير بعد التحرير، من تعزيز شرعيتها أمام المجتمع الدولي، وكل المعطيات التي تفرزها التطورات السياسية الراهنة، تشير إلى أن العديد من دول العالم، قاب قوسين من اتخاذ خطوات عملية للانخراط الكامل في التعاون مع الحكومة الجديدة على مختلف الصعد، وذلك عبر ترجمة الأقوال والتصريحات والبيانات، إلى فعل حقيقي وجاد على الأرض، بما يحقق المصالح المشتركة، على أسس صلبة من الاحترام المتبادل، والتعاون المشترك.
مسألة رفع العقوبات الغربية بشكل كامل، هي المقياس الحقيقي لمصداقية الدول التي تخطب ود سوريا، وبالفعل أقدمت دول الاتحاد الأوروبي على خطوات مشجعة، على هذا الاتجاه، من خلال تخفيف جزئي للعقوبات، وهي لا شك سيتبعها خطوات إضافية، وهذا ما تشير إليه تصريحات الكثير من المسؤولين الأوروبيين، بعدما لمسوا خلال الفترة الماضية، ما تتخذه القيادة السورية من إجراءات فعلية على الأرض من أجل النهوض بسوريا، على المستوى الأمني والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، بما يخدم مصلحة الشعب السوري في المقام الأول، وبعيداً عن أي اعتبارات أخرى، أي بمعنى تثبيت مبدأ السيادة والحرية والمساواة، بمعزل عن أي شروط خارجية. حيث الواجب الوطني هو من يفرض ذلك.
وزير الخارجية أسعد الشيباني، وباعتباره من يقود دفة الدبلوماسية السورية، وعلى احتكاك متواصل مع نظرائه الأجانب والعرب، وعلى تواصل أيضاً مع مسؤولي المنظمات الدولية، ومطلع على كواليس السياسة، اعتبر أن تزايد الدعم الدولي الواسع للحكومة الجديدة يعزز الآمال برفع العقوبات الجائرة عن البلاد.
وقال في منشور على منصة “إكس”: مع تزايد الدعم الدولي الواسع للحكومة السورية الجديدة، تتعزز الآمال برفع العقوبات الجائرة، وتحسين الأوضاع المعيشية للشعب السوري، وفتح آفاق جديدة لإعادة الإعمار، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي، وتعزيز الشراكات السياسية.
كلام الشيباني، يبعث على التفاؤل والاطمئنان، بأن الدول المعنية برفع العقوبات، لن تتأخر كثيراً في الإقدام على خطوة إنهاء العقوبات بشكل كامل، لاسيما الدول الأوروبية منها، ولاشك بأن الدول العربية الشقيقة، تلعب دوراً كبيراً في إقناع تلك الدول برفع تلك العقوبات، وذلك تماشياً مع وقوف الأشقاء العرب إلى جانب سوريا في هذه المرحلة الدقيقة.
ولكن يبقى الجانب الأميركي، هو الأهم بمسألة رفع العقوبات، إذ تأمل سوريا بأن تبادر الولايات المتحدة لاتخاذ خطوات على هذا المسار، لاسيما وأن تلك العقوبات كانت مفروضة على النظام المخلوع، وبعد سقوطه، لم يعد لاستمرارها أي مبرر، خاصة وأن الشعب السوري هو من يدفع ثمن بقائها.
واليوم ننظر بعين التفاؤل للترحيب الأميركي بتشكيل الحكومة السورية، حيث وصفتها الخارجية الأميركية بالخطوة الإيجابية، ولكن رغم قول المتحدثة باسم الخارجية تامي بروس، بأن بلادها “تدرك معاناة الشعب السوري، الذي عانى لعقود تحت الحكم الاستبدادي وقمع نظام الأسد”، إلا أنها رهنت مسألة تخفيف العقوبات، بسلة شروط ينبغي على دمشق تنفيذها، من بينها قمع الإرهاب، واستبعاد المقاتلين الأجانب من أي أدوار رسمية، ومنع إيران ووكلائها من استغلال الأراضي السورية، بالإضافة إلى اتخاذ خطوات ذات معنى لتدمير الأسلحة الكيميائية التي كان يملكها نظام الأسد، والمساعدة في استعادة المواطنين الأميركيين وغيرهم من المواطنين الذين اختفوا في سوريا، وضمان أمن وحريات الأقليات الدينية والعرقية في سوريا.
وبالنظر إلى تلك الشروط، فإن سوريا تعمل كل ما بوسعها للقضاء على الإرهاب، إلى جانب الحفاظ على الأقليات وحرياتهم، باعتبارهم جزءاً أساسياً من مكونات الشعب السوري، المتميز بتنوعه الحضاري والثقافي والديني، كذلك تمكنت إلى حد كبير من كف يد إيران وميليشياتها على الأراضي السورية، وهذا بالأساس مطلب أمني لها، وبالإضافة إلى كل ذلك، فإن الحكومة مدت يدها نحو التعاون مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقد أشادت الأمم المتحدة بالخطوات التي اتخذتها سوريا لجهة التعاون الكامل والشفافية مع منظمة الحظر. وبالتالي فإن الشروط الأميركية لتخفيف العقوبات تبدو غير مبررة في المطلق.