الثورة – مها دياب:
في ظل المتغيرات العاصفة التي تشهدها سوريا، يقف الإعلام أمام مسؤولية تاريخية لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تتخطاها نحو صناعة الوعي، وبناء جسور التفاهم، وتفعيل دور الشباب في رسم ملامح الخطاب الإعلامي الجديد.
وسط هذا الواقع المعقد، يبرز الإعلام الشبابي بوصفه أحد المرتكزات الأساسية في مسيرة التحول المجتمعي، ولكن هل يستطيع فعلاً التعبير عن هموم الشباب السوري؟ وما هي العقبات التي تعترض طريق الإعلاميين الشباب؟ وما هو الشكل الأمثل لخطاب إعلامي جامع يعزز الاحترام ويكرس مفاهيم الوحدة الوطنية؟.
في لقاء خاص لصحيفة الثورة قدّم مسؤول شعبة الإعلام الرقمي في مديرية إعلام ريف دمشق شادي غنيمة، رؤيته الصريحة حول هذه القضايا، مشدداً على أهمية تمكين الشباب في العمل الإعلامي، وتطوير منصات رقمية تواكب العصر.
بين الواقع والتمثيل
بين غنيمة أن الإعلام الشبابي يعبر جزئياً عن قضايا وهموم الشباب السوري، خاصةً عبر المنصات المستقلة والمحتوى الرقمي الذي يصنعه الشباب بأنفسهم، ولكنه أشار إلى أن هناك جزءاً من الإعلام، والذي يعتبر إعلاماً تقليدياً ممولاً سياسياً لا يزال بعيداً كل البعد عن الواقع الحقيقي وهو موجود ضمن مناطق محددة، وأن الكثير من وسائل الإعلام تكتفي بالشعارات ولا تلامس مخاوف الشباب السوري من المستقبل كأزمة البطالة والهجرة أو فقدان الهوية، والشباب اليوم كما يرى يحتاج إلى إعلام عصري يتحدث بلغتهم وبمكنوناتهم، ويحمل نبرتهم، ويعكس صوتهم الصادق من دون تنميق.
وأكد أن أبرز ما يواجه الإعلاميين الشباب هو حاجز الخوف المصطنع الذي خلّفه النظام المخلوع، والذي قمع حرية التعبير وكبح المبادرة، وأضاف: إن نقص التدريب والدعم التقني يشكل عقبة كبيرة أمام تطور الشباب، إلى جانب سيطرة الخطاب السياسي الممول في بعض المناطق والذي يدعو للانقسام ويقف عائقاً أمام المشاريع المستقلة، كما أن الإعلاميين الشباب غالباً ما يعاملون على أنهم هواة رغم امتلاكهم رؤى عميقة ومهارات متعددة، مشدداً على ضرورة منحهم مساحة حقيقية لإثبات ذاتهم وكفاءتهم في التأثير والتطوير.
وأوضح غنيمة أن الخطاب الإعلامي في عهد النظام البائد لم يكن يؤدي دوره المطلوب في توحيد السوريين، بل كان في أغلب الحالات يزيد الشرخ المجتمعي، وذلك بسبب الانغلاق والخطاب المناطقي والطائفي.
لذلك كله نحتاج حالياً إلى إعلام عصري وحديث يوحد ويجمع الكفاءات ويعزز السلم الأهلي، مؤكداً أن الوعي الإعلامي المنشود دفع عدد من الشباب الإعلاميين إلى إطلاق ورشات نقاش مجتمعية تهدف لتعزيز التواصل والتفاهم بين مكونات المجتمع السوري المختلفة.
وأضاف: إن الإعلام لا يجب أن يكتفي بنقل الحدث، بل عليه أن يفهم أسبابه ويطرح الأسئلة التي تقود إلى التلاقي لا الإقصاء.
خطاب جامع
وذكر غنيمة أن الخطاب الإعلامي الجامع يجب أن يتسم بالشفافية والنزاهة والتوازن، ويكون منفتحاً على التعددية دون استقطاب أو تعال.. وأن الإعلام يجب ألا يكون محايداً بشكل بارد، بل يجب أن ينحاز إلى القيم الإنسانية، العدالة، والحقيقة، مضيفاً: إن الجرح السوري عميق ولا يمكن معالجته بخطاب تحريضي أو منغلق، بل بأسلوب إعلامي جامع يراعي الألم ويبحث عن الحلول.
وحول انتقاء المصطلحات بين الوعي والإقصاء، نوه مسؤول شعبة الإعلام الرقمي، بأن الإعلامي يجب أن يكون مراعياً للحساسية الثقافية ودقيقاً في اختيار الكلمات، لأن كل مصطلح يحمل شحنة اجتماعية وسياسية قد تؤثر في فهمه الرسالة بالشكل الصحيح.
كسر الصور النمطية
كما أوضح أن الإعلام يستطيع تقليص الصور النمطية السلبية من خلال عرض وجوه متنوعة ومن خلفيات مختلفة، وتمثيل الفئات المهمشة التي لم يكن لها حضور حقيقي في وسائل الإعلام سابقاً، وأن التغيير يبدأ عندما يرى المشاهد صورة حقيقية “للآخر”، ويتعرف على قصته لا شكله، وأكد على أن الإعلام يجب أن يتعامل مع الناس كبشر بتجاربهم لا مجرد قوالب جاهزة.
وعن وسائل التواصل الاجتماعي- إن كانت حرية أم فوضى؟- يقول غنيمة: إن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت أبواب التعبير، ومكنت السوريين من التعرف على القضايا الإنسانية المشتركة، لكنها من جهة أخرى أصبحت أداة للخطاب الانفعالي، والتنمر، والانقسام، بسبب الانتماء المكاني والمجتمعي.
ورأى أن الحل يكمن في التصريح والتوجيه الصحيح لتلك المنصات ودعم المحتوى الإيجابي، والحد من خطاب الكراهية، خاصةَ بين الفئات الشابة، فهم النواة الحقيقة والمعول عليهم ببناء الدولة الجديدة.
مبادرات شبابية ملهمة
وأشار إلى أن هناك الكثير من المبادرات الإعلامية الشبابية شكلت مصدر إلهام حقيقي، لأنها نشأت من البيئة المحلية وخاطبت الناس بصدق وبساطة، بعيداً عن الأجندات والتصنيفات السياسية، مشيراً إلى تجربة خاصة نُظم فيها مجموعة من جلسات الحوار المجتمعي بين مكونات مختلفة من السوريين، ولاحظ أن غاية الشباب من كل الأطياف
أصبحت واحدة: “بناء دولة جديدة قوية تستند إلى شبابها من كافة المكونات المجتمعية السوري.
فما يحتاجه الإعلامي الشاب وفق وجهة نظر غنيمة هو أن يمتلك مهارات متعددة ليكون مؤثراً، من أهمها الإصغاء الحقيقي، والقدرة على البحث، والتفكير النقدي، إلى جانب استخدام الأدوات الرقمية بكفاءة، وأن الإعلامي الجيد لا ينقل المعلومة فقط، بل يوصلها بأسلوب إنساني محترف يراعي السياق ويخاطب الوجدان والعقل معاً.
وفي ختام حديثه، وجه غنيمة حديثه إلى الإعلاميين الشباب قائلاً: نحن كجيل جديد من الإعلاميين نحمل مسؤولية لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى صياغة الأثر الذي تتركه الكلمة في قلوب الناس والمصداقية ليست خياراً، بل قاعدة لا يقوم الإعلام من دونها.
علينا أن نستمع إلى الناس بصدق، ونحدثهم بلغتهم، ونعكس واقعهم كما هو، بعيداً عن التزويق أو التهويل.. فسوريا اليوم لا تحتاج إلى المزيد من الضجيج الإعلامي، بل إلى أصوات تؤمن أن للكلمة قيمة، أصوات تبني ولا تهدم، تقرب ولا تقصي، تنير ولا تزيف.