الثورة- نور جوخدار:
عاد مصطلح “اليوم التالي للحرب على غزة” إلى الواجهة بعد اجتماع جمع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير في البيت الأبيض لبحث خطّة ما بعد الحرب في غزة، وسط ذروة التصعيد العسكري الإسرائيلي على القطاع.
الاجتماع الذي عقد قبل يومين، لم يكن بروتوكولياً، بل أثار تساؤلات حول خريطة الطريق التي تُرسم في واشنطن ولندن بشأن مستقبل غزة، فما الذي يُحاك في أروقة البيت الأبيض؟ وأين وصلت خطّة ريفيرا الشرق الأوسط التي طرحها ترامب سابقاً؟.
مسؤول كبير في البيت الأبيض قال لوكالة رويترز: إن الاجتماع تناول “جميع جوانب ملف غزة، بما في ذلك زيادة تسليم المساعدات الغذائية، وأزمة الرهائن، وخطط ما بعد الحرب”، واصفاً الجلسة بأنها “اجتماع سياسي اعتيادي”.
لكن موقع أكسيوس كشف أن بلير وكوشنر قدّما أفكاراً حول “كيفية إدارة غزة من دون وجود حماس في السلطة”، مشيراً إلى أن بلير كان قد التقى سابقًا المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف في البيت الأبيض في تموز الماضي بالتزامن مع لقاء جمع ترامب برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
رغم غياب ملامح واضحة لخطّة ما بعد الحرب، إلا أن صحيفة فايننشال تايمز قد ذكرت، بأنها اطلعت قبل أسابيع على خطّة طورتها مجموعة بوسطن الاستشارية “بي سي جي” أحد أكبر شركات الاستشارات الأميركية بالتعاون مع معهد توني بلير “تي بي آي” ورجال أعمال إسرائيليين، بعنوان: “الثقة العظيمة (غريت ترست) Great Trust” وتتعلق بتطوير غزة ما بعد الحرب ضمن مشاريع ضخمة تشمل “ترامب ريفييرا”، و”منطقة إيلون ماسك الذكية للتصنيع”، ومناطق صناعية وطرق سريعة ومطارات وموانئ وجزر اصطناعية، لربط القطاع بالممر الاقتصادي المخطط له بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلأى أن وثيقة معهد بلير وصفت الحرب بأنها “فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في القرن لإعادة بناء غزة كمجتمع آمن وعصري ومزدهر”، ولم تشر وثيقة المعهد إلى إعادة توطين الفلسطينيين لكنها تضمنت أيضاً بنوداً مثيرة للجدل، بينها تسهيل تهجير نصف مليون فلسطيني مقابل 9 آلاف دولار للشخص الواحد.
ويأتي الاجتماع بعد أيام من إعلان الأمم المتحدة رسمياً انتشار المجاعة في غزة، في وقت تكثف فيه إسرائيل عملياتها العسكرية لاحتلال مدينة غزة، وقد تحدث جيش الاحتلال الإسرائيلي عن أن “مراحل أولية للهجوم اكتملت ” مؤكداً استمراره في “تفكيك حماس عسكرياً وإدارياً”، فيما أعلنت الحركة حالة تأهب قصوى محذّرة من أن الرهائن الإسرائيليين لن يُستثنوا من القتال.
مصادر أميركية ربطت مباشرة بين الاجتماع والتصعيد، معتبرة أن الهدف هو خلق بدائل سياسية وإدارية لحكم غزة بعيداً عن حماس.
في السياق ذاته، أفادت صحيفة وول ستريت جورنال بأن القاهرة بدأت تدريب مئات الفلسطينيين لتشكيل قوة أمنية تصل إلى 10 آلاف عنصر تمهيداً لتسليم القطاع للسلطة الفلسطينية، لكن الخلافات بين واشنطن وتل أبيب من جهة، والدور العربي تحديدا “مصر وقطر” من جهة أخرى، تزيد تعقيد المشهد.
في المقابل، أظهر استطلاع لجامعة كوينيبياك أن 60% من الأميركيين يعارضون إرسال مساعدات عسكرية إضافية لإسرائيل، بينما يؤيد 32% إرسال مساعدات إضافية وهو أدنى مستوى دعم للتحالف العسكري الأميركي مع إسرائيل منذ هجمات 7 تشرين الأول.
إلى الآن لا يُعرف الكثير عن ملامح خطّة ترامب لما بعد الحرب، بما في ذلك تفاصيل كيفية إعادة إعمار القطاع المدمر ومن سيحكمه، ولم يكشف ترامب نفسه عن رؤيته للقطاع إلا قليلاً، باستثناء الاقتراح الذي طرحه في شباط الماضي، للسيطرة الأميركية على غزة، وتهجير سكانها، وإعادة إعمارها، بحيث تصبح “ريفييرا الشرق الأوسط”.
لكن انخراط توني بلير في مناقشات “اليوم التالي لغزة” يُعد مؤشرًا إضافيًا على أن الولايات المتحدة وحلفاءها ما زالوا يتعاملون مع القضية الفلسطينية بعيداً عن حقوق الإنسان والكرامة الأساسية.
ففي عام 2003، كان بلير الحليف الأقرب للرئيس الأميركي جورج بوش، وداعماً رئيسياً لخطط غزو العراق واحتلاله، وقد ساهمت آنذاك سمعته السياسية، إلى جانب المعلومات الاستخباراتية البريطانية المضللة حول أسلحة الدمار الشامل العراقية، في حماية إدارة بوش من الانتقادات الدولية. غير أن مكانته تراجعت بشكل حاد بعد عقدين، وهو ما ينعكس اليوم في ظهوره إلى جانب صهر ترامب، جاريد كوشنر، في ملفات الشرق الأوسط.
وبينما يستمر النزيف الإنساني والتصعيد العسكري تتضح ملامح مسار سياسي يجري هندسته في الغرف المغلقة، يهدف إلى إعادة صياغة واقع غزة بما يخدم الحسابات الأميركية والإسرائيلية. أما الفلسطينيون، فيبقون الطرف الأكثر خسارة: قتلاً وتجويعاً وتهجيراً، في انتظار “اليوم التالي” الذي يُرسم من دونهم.