الثورة – عبير علي:
تحت أضواء معرض دمشق الدولي، ينفتح أمام الزوار عالم مدهش في الجناح 19، حيث تتلاقى الحرف اليدوية مع روح الإنسانية في تجربة تحمل في طياتها الكثير من الأمل والإبداع.
هنا تتجلى روعة التراث من خلال فنون تقليدية عريقة، من الموزاييك الأنيق إلى حرفة النحاسيات المبهرة، مروراً بفن الخيط العربي والدهان الدمشقي وصناعة الأعواد، وتزيين النحاس بالفضة والذهب، وصولاً إلى حرفة الأغباني والنول اليدوي الذي ينسج البسط بألوان زاهية.
في هذا الجناح المليء بالروح، يبرز فريق “لمة أمل”، الذي يمثل فئة ذوي الهمم كمثال حي على القدرة والإبداع، يجتمع هؤلاء الأفراد الرائعين تحت إشراف شيخ الكار عدنان تنبكجي، وتكشف مشاركتهم عن لمحات من الجمال والإنسانية، مجموعة من النجاحات تتنوع بين الأفراد المصابين بمتلازمة داون، والشلل الدماغي، والتوحد، وجميعهم يجسدون إرادة قوية في التعلم والإبداع، متجاوزين التحديات التي تواجههم.
“لمة أمل” هو فريق تطوعي يسعى إلى تعليم ذوي الاحتياجات الخاصة منهج وزارة الثقافة ضمن دائرة تعليم الكبار، وفي فصل الصيف، يقدم الفريق دورات مهنية وحرفية تلبي احتياجات هؤلاء الشباب.
وفي تصريح خاص لصحيفة الثورة، بينت مسؤول العلاقات العامة لفريق “لمة أمل”، رانيا مجاهد، أن فريقها يعمل على دمج هؤلاء الشباب في المجتمع من خلال تقديم تعليم متخصص يمكنهم من تحقيق طموحاتهم، عن طريق التشاركية مع جمعية العادات الأصيلة متمثلة بمديرها شيخ الكار عدنان تنبكجي، إذ يتولى مهمة تعليم الشباب حرفة صناعة النحاس، ويقوم بتدريبهم على استخدام الأدوات المناسبة وفهم طرق تركيب الأضواء والعناصر النحاسية، وذلك تحت إشراف فريق من المتخصصين في هذا المجال.
وأكّدت مجاهد أن أهمية هذه الدورات تكمن في توفير فرصة لهؤلاء الشباب لتطوير مسارهم نحو مستقبل مهني واعد، تستمر الدورة لمدة شهر ونصف، وتُعقد مرة أو مرتين في الأسبوع، إذ تم اختيار عشرة طلاب من ذوي الهمم بحضور أولياء أمورهم لضمان الدعم والتوجيه اللازمين.
وأوضح تنبكجي أن هذا المشروع حقق نتائج إيجابية، إذ أدى إلى تحسين دخل العديد من الأسر، فقد بدأ الأهالي يحققون هامش ربح جيد من خلال المشروعات الصغيرة التي أطلقوها.
وقال: تستغرق كل جلسة دراسية ساعتين، مما يمنح الطلاب الفرصة الكافية لاستيعاب المعلومات بشكل كامل وممارسة المهارات التي اكتسبوها، ومع نهاية الدورة، يتم تكريم جهود الطلبة عبر منحهم شهادات مشاركة تبرز إنجازاتهم وتفانيهم.
يعد هذا الاعتراف نقطة محورية في تحفيزهم على الاستمرار في تعلم الحرفة وتطوير مهاراتهم، مما يسهم في تعزيز ثقتهم بأنفسهم وفتح آفاق جديدة لمستقبلهم المهني.
جهود تنبكجي تتجاوز مجرد تقديم دروس في الحرف، إذ تمثل خطوات هامة في مسيرة تمكين ذوي الهمم، مما يمنحهم مكانة متميزة ومشرقة في المجتمع.
من بين هؤلاء المبدعين، تضيء الطفلة سلام خليفة، التي تمثل الأمل في كل لمسة من لوحاتها الفنية، وهي تعمل مع والدتها على تركيب لوحة تعلمتها، تعكس هذه اللحظات الجميلة روح التعاون والأمل، وتظهر للعالم أن الإبداع لا يعرف حدودا، وأن كل فرد قادر على تحقيق إنجازات تلامس القلوب، يتجاوز جناح الحرف اليدوية كونه مجرد معرض، ليصبح منصة تحتفل بالإبداع، وتدعو الجميع للاحتفاء بالقدرات البشرية.
هنا يكتسب التراث معنى جديداً، إذ يصبح جسراً يربط بين الماضي الغني وبين الحاضر المليء بالأمل والإلهام.