المتابع لزراعة القمح في سورية يجد أن إنتاجنا من القمح ازداد من ستمئة ألف طن في السنة في بداية السبعينيات إلى ٣و٤ ملايين طن في أواخر التسعينيات في السنة الواحدة لسببين: الري والحافز المالي.
كنّا نزرع أغلب قمحنا بعلاً وكان المردود ضئيلاً وغير مستقر، ثم انتقلنا إلى زراعة مساحات واسعة مروية بالقمح، وتلك مضمونة الإنتاج الغزير (في هذه السنة لدينا ما يقرب من ستمئة ألف هكتار من الأراضي المروية زرعت بالقمح)، وهنا نتذكر أن سورية قد بنت قبل الحرب الجائرة عليها (١٦٤ سداً لادخار مياه الشتاء والربيع الغزيرة)، ما أتاح لها توسيع الرقعة المروية، وحفر آبار آمنة لا تستنزف الأحواض الجوفية.
شكل الري أساسا متينا لإنتاج وفير، لكنه لم يكن كافيا لإنتاج تلك الكميات الكبيرة من القمح، فتم الانتباه إلى السعر وإلى توفير الحافز المالي المجزي للمنتجين، ولعب السعر الجيد في التسعينات دورا سحريا في إلهاب حماسة المنتجين للحرص على كل حبة قمح والسهر على الإنتاج وحصاده وتسويقية للمؤسسة العامة للحبوب، وهي امتياز سوري مهم لم نضح به على مذبح اقتصاد السوق، فهذه المؤسسة هي وحدها القادرة على تسويق تلك الكميات الضخمة بسعر ثابت لا يخضع للعرض والطلب، وفِي فترة وجيزة جدا (٦٠يوما في ذروة الحصاد)، وهذه مؤسسة هي السر الثالث لنجاحات زراعة القمح في سورية نجاحات أتاحت لها أن تكون الدولة العربية الوحيدة المصدرة للقمح في تسعينيات القرن الماضي (كنّا نصدر مليون طن من القمح سنوياً).
وإذ نلاحظ أن الحكومة كانت قد رصدت ٤٥٠ مليار ليرة، لشراء قمح الموسم الحالي بسعر ٢٢٥ ليرة للكغ الواحد، فإن رفعها لسعر الشراء سيضطرها إلى رصد ٨٠٠ مليار ليرة لهذه المهمة النبيلة، التي تنأى بِنَا عن استيراد كميات كبيرة من القمح بالدولار، ولاسيما أن القمح في بلادنا هو العمود الفقري للمائدة السورية التي يعد الرغيف، ملكها والبرغل أحد أمرائها، علما أن توجهنا لزيادة الاستهلاك منه، يوفر علينا إنفاق مبالغ ضخمة من الدولارات لاستيراد الرز.
حراك صائب، وفِي الوقت المناسب، جابه غلاء ما بعد كورونا، (الجنوني)، فأنصف منتجي القمح، لكنه لفت الانتباه إلى اليقظة ولاسيما بعد تطبيق أميركا لحزمة عقوبات قاسية على سورية تحت مسمى “قانون قيصر”،عقوبات سننجح في مواجهتها بالاعتماد على الذات أولاً، وقمحنا الرمز الساطع على هذا الصعيد.
أروقة محلية – ميشيل خياط