الثورة – أديب مخزوم:
عودة المعرض السنوي العام للفنانين السوريين 2022 في صالة الرواق العربي، شكل فرصة لرؤية لوحات لبعض كبار فنانينا الرواد الراحلين (وفي مقدمتهم غسان السباعي) كما عرضت لوحة ( للفنان الراحل محمد علي الحمصي ) ولوحات أخرى لفنانين مخضرمين من أمثال ( غسان جديد وعبد المنان شما وحسان أبو عياش وجورج عشي ولبيب رسلان ) وغيرهم .. ولقد عرضت لوحاتهم في بداية المعرض، وجاءت كتحية تقدير ووفاء لدورهم التاريخي والحيوي، القادر على الديمومة والبقاء والاستمرار في ذاكرة الأجيال المتعاقبة.
كما تميزت تظاهرة المعرض السنوي للفن التشكيلي السوري (2022) ، بإطلاق الخيارات الفنية التي تتأرجح مابين المعالجة التقنية الهادئة لدى البعض ، والتحرر من عبء الموضوع الخارجي الواقعي لدى البعض الآخر.
والمعرض ترك الباب مفتوحا أمام تجارب لم تكن معروفة قبل سنوات قليلة، وهذه ظاهرة إيجابية تتوضح دلالاتها، حين نعلم أن العديد من هذه الأسماء كانت تستبعد، في مراحل سابقة ، بطرق متسرعة و مزاجية من دورات المعارض السنوية ( وخاصة معرض الخريف ) وبعض هذه الأسماء كان لها حضورها المميز والخاص في معارض فردية وجماعية عديدة. واللافت في معرض هذا العام تراجع الاتجاهات التشكيلية المتطرفة في عبثيتها وانفعاليتها وحركيتها ودادائيتها وتمغربها.
والفنان التشكيلي السوري يسعى إلى إعادة اكتشاف الصلات التي تربط بين الماضي والحاضر، لاستشفاف الجذور الحضارية ،وتأصيل عناصر ظهور أساليب فنية حديثة قائمة على معطيات الحرف أو الخط العربي او الزخرفة او الفسيفساء والرقش ، وقادر على تحقيق التوازن الفني المطلوب بين إرثه الجمالي ومعاصرته.
ولاشك أن الإبداع يتغذى من جوهر ومعطيات البحث التقني المركز الخالص لكن الأهم في العمل الفني التشكيلي ،هو امتلاك حيوية وليونة الخط وسحر اللمسة والضربة الماهرة والواثقة وشاعرية النور بدلاً من التعثر في متاهات التلوين العبثي الأكثر قدرة على كشف نقاط الضعف الأساسية في إيقاعات التشكيل والتلوين.
والحداثة التشكيلية لا تعني كما يتبادر للبعض مجرد رش ألوان على سطح اللوحة بطريقة متناغمة أو عشوائية ، فمن يريد الإمساك ببدايات مشروع تشكيلي تعبيري أو تجريدي يحتاج على الأقل إلى حد أدنى من الموهبة في الرسم والتلوين، حتى يصل نتاجه إلى درجة من الحيوية والإتقان والإقناع .
وبالطبع نحن ضد العودة الى الوراء، ولا يمكن ان نكون مع محاولات استنساخ الأشكال الملمومة والبائدة، أو التقوقع في الهواجس الإبداعية الأولى التي أطلقها كبار فناني الحداثة العالمية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. فالمشكلة اذا” هي مشكلة انفتاح وتقوقع رغم ان معظم الفنانين السوريين والعرب وفي كل مراحلهم الفنية عاشوا فصول الصراعات الحادة التي نشهدها الآن مابين التيارات الواقعية والانطباعية ومغامرات التجريب التجريدي ، ويجب التمييز هنا بين التشكيل التجريدي الذي يؤكد حيوية الموهبة في التعامل مع اللون وبين العبث التجريدي الخالي من أية قيمة فنية أو تقنية.
وهذا يعني أن التشكيل التجريدي الذي يؤكد تصاعدية الخط الأسلوبي ،هو الأكثر صعوبة من عمليات نقل ما هو متوفر في الصورة أو في الواقع، لأن الانفلات من إطار الرسم الجاهز والوصول إلى خصوصية أسلوبية يشكل الخطوة الأولى في تأكيد الموهبة والمقدرة واستخدام العفوية والجرأة واللمسة اللونية الماهرة والواثقة.
و يمكن ربط حساسية الفنان البصرية والروحية بمدى قدرته على الإحساس والتفاعل مع الإيقاعات البيئوية المميزة، في خطوات الوصول إلى الرؤى التشكيلية الخاصة والمستقلة.
وثمة فروقات شاسعة بين الدخول إلى عالم الشرق في تشكل مفتعل وبين استعادة الطابع السحري لأجواء التراث العربي أو لبريق اللون المحلي الذي يوقظنا على حقيقة جديدة، هي حقيقة الانطلاق في رحاب مناخ الألوان الشرق أوسطية، التي تفسح المجال، في اختيار حركة نورانية شرقية، لها تأثيرات سحرية ومباشرة على تكوين اللوحة، لأنها تضفي مناخية أخرى خارج حركة المتداول والمألوف، أي تجعل اللوحة تنفلت من إطار إيماءات الأضواء والألوان الأوروبية، في محاولة لإيجاد مظاهر الاختلاف في النهج أو في المعطيات بين هاجس التبعية الثقافية، ومنطق الاختبار التشكيلي الحامل لتأكيدات أو دلالات البحث عن خصوصية التراث العربي واللونية المحلية المنتمية لبريق الأرض.
السابق