الملحق الثقافي- رنا بدري سلوم :
«من أجل الحديث عن الجنون علينا امتلاك موهبة شاعر»استحضرني قول المفكّر «ميشيل فوكو»، عند الكتابة عن ارتباط الجنون بالآداب والفنون الذي لم يكن في عالمنا العربي وحسب بل الغربي أيضاً والذي كان له الفضل في التعمّق بالجنون على اعتباره «قضية»، فالجنون مرض عصريّ، يعاني وطأته كلّ راغب بالعظمة والخلود والانتصار، بل هو التوغل في المجهول ووجودية الوجود والأبدية المطلقة، إن حقيقة العلاقة التي تربط الكثيرين مع الجنون هي الإبداع الذي يتاخم فيه العقل الجنون واللاشعور هو قاسمه المشترك.
عرّف الفيلسوف أرسطو»الإنسان بالحيوان الناطق»، ففتحت قريحة المبدع المفكر ، خرج الإبداع إلى النور، وبقي الجنون إلى حد ما قابعاً في الظلمة دون حراك، بعيداً عن العيان، يصعب تسميته ووصفه بل والاعتراف به، لذا انصرف الفلاسفة عن تعريف هذا الجنون، رغم أن الكثير من الفلاسفة قد عانوا منه ومن أمراض نفسية كنيتشه، وكيركيجارد، وجان جاك روسو وغيرهم، لم تكن الفلسفة وحدها ضحية الجنون إن أجدت القول، بل عانى الأدب أيضاً من ويلاته، والدليل الكتابات الأدبية التي اتسمت بالتعقيد، فما أكثرهم الأدباء الذين عانوا أعراضاً نفسية مثل فيرجينيا وولف وكافكا، ريلكة، ودوستويفسكي، وغي دو موباسان وغيرهم. ولا نزال إلى يومنا هذا سجناء تساؤلاتنا المتعلقة بشخصيات أثرت فينا في مجال الأدب والفكر والفلسفة ولا نصدق أنهم يعانون من الهذيان والاعتلال النفسي، متسائلين: كيف للإبداع أن يجاور الجنون ولا يفسده! وكيف للاكتئاب أن يمحي جنون العظمة فيمنحنا النشوة الإبداعية ويمضي! تساؤلات لابد منها يصعب الإجابة عليها في كل زمان ومكان.
أتذكرون «آرثر رامبو» والهلوسة التي كان يمرّ بها عندما كتب قصيدته النثرية «فصل في الجحيم» التي ختم بها حياته الأدبية: « الهلوسان لا حصر لها هذا ما كان دائماً نصيبي: فقدان الإيمان بالتاريخ ونسيان المبادئ، لن أبوح بكل سريَ حتى لا يجسدني الشعراء وذوو الرؤى، إني مئات المرات الأوفر ثراء، فلنكن كالبحر كتماناً وتقتيراً». نعم هو الكتمان، وماذا عن سرّ الحالات العُصابية الاكتئابية التي كان يمرّ بها «غوته» ؟، والقلق الذي يعانيه «كافكا» فما هو تفسير تلك الأزمات والهلوسة ؟ ومن منا ينسى شخصية «دون كيشوت» للكاتب الأسباني «ثربانتس»؟، ألا نستخلص من كل تلك الحالات عظمة الحزن والاكتئاب والعزلة في خلق مبدع وأديب وفنان، حين تتصدّر الأنا الذات لتقول لها كوني فتكون، وفي ذات الوقت يبقى شيطان الجنون مخبوء مكنون فيها، الجنون وكما استخلصت من خلال قراءاتي في عالمي الفلسفة والأدب واللذين أعدهما ضفتان لنهر مصبه النفس البشرية، أن الجنون رصيد الفنان وحكمته الضالة فمن العقل يتغذى الجنون والعكس، وليكن هو الحبل السرّي الذي يتغذى به الفكر والفن والأدب، أما عن اللاشعور الذي يقبع بين العقل والجنون فهو عند المبدع بخلاف عامة الناس له فعالية منتجة وحساسية نوعية يبدأها برحلة اغتراب وعزلة نفسية عن الواقع، مقصودة ومتعمّدة يصنعها المبدع في اعتزال عوالم الحياة المعتادة في كل واقعيتها الطبيعية المعهودة، ليعود في نهايتها إلى الواقع ثانية بحصيلة ثمينة هي إنتاجه الأدبي أو الفني.
وبالعودة إلى الفيلسوف الفرنسي «ميشيل فوكو» يعد من أكثر الفلاسفة الذين تعمّقوا في قضية الجنون وفي مؤلفه « تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، رصد تاريخ الأفكار والفنون والآداب المتعلقة بالأزمات النفسية في التاريخ الغربي، وأتفق معه في تعريفه للجنون على أنه « ليس انكسارا للعقل، ولكنه انتصار له، طالما هو قوته الحيّة والحيويّة «، وهنا نتساءل من هو المبدع الذي قدّم لنا ابداعه ولم يكن مجنوناً ؟!
العدد 1117 – 25- 10-2022