أوَّل كتاب قرأته وأوَّل كتاب ألَّفتُه

الملحق الثقافي-مريم خيربك:

تطوف الذكريات بأرواحنا وعقولنا فتربط الأمس باليوم، الأمس البعيد المتغلغل في كلِّ حنايانا، وفي كلِّ يومٍ من حياتنا، لاسيما طفولتنا المتجلية دائماً على سطح ذاكرتنا، بكلّ جمالها وروعتها، منسابة إلى فتُوَّتنا وصبانا وشبابنا المضطرب بزاد الذاكرة، وأحلام اللحظة التي نريدها أن تتحقق بسرعة لنعبر عبرها إلى كهولتنا فشيخوختنا.
وإذْ يأتي سؤالٌ مفاجئٌ يستدعينا لنبش ركام الذاكرة تتسارع الأحداث مصطفَّة بانتظام، وكأنَّ خيطاً من الزمن يربطها فلا تنفلت إلا وهي تعطي لوحة في كل جزئيةٍ منها، مخطوطةً بخط قَدَرٍ، وعزيمةٍ، وأساس بنيان ارتكزت عليه هذه اللوحة بكلّ جزئياتها.
ما أول كتاب قرأتِ؟
أكثر من ستين سنة تجتازها ذاكرتي، عائدة بكل ماهي مفعمة به من الشوق إلى أروع وأسعد لحظة مازال عبقها منتشراً في مسامات حياتي، إنها لحظة حفظتُ أبياتاً من الشعر بمساعدة والدي، أبياتَ شعرٍ لاتمتُّ إلى الطفولة بصلةٍ لكنها تمتُّ إلى الحياة التي تعيشها طفلةٌ تتشكل عندها لوحةٌ وهي تقرؤها ولمَّا تصل بعد إلى سنِّ الخامسة، للشاعر (ابن المنحِّل المهري):
تنقُّ ضفادعُ الوادي
بصوتٍ غيرِ معتادِ
كأنَّ نقيقَ مِقْوَلِها
بنو الملَّاحِ في الوادي
ورغم أنَّ العمر كان مايزال في فلك السنة الخامسة إلا أنني حفظتها بلفظٍ ونطقٍ سليمَين أصرَّ والدي عليه دائماً وهو يُحفِّظني الشعر الذي كان الكبار ويطلبون مني ترديده، فكنت كلما رأيت الكتاب الذي فيه القصيدة بين يدَي والدي سيطر على ذهني الطفولي سحر الكتاب، وارتبطتُ به بعاطفةٍ خفيَّةٍ لاأدري كنهها في ذاك الحين سوى أنها كانت تجعلني سعيدة .
ومرَّت الأيام بي وعقلي مرتبط بمكتبة والدي والكتاب، فأذهب خلسة لأفتح صفحات هذا الكتاب أو ذاك، وإذ يستعصي على عقلي الصغير وعدم قدرتي على القراءة بشكل جيد أنتقل لأتسلى بمجلات فيها صور تسليني وأقرأ القليل جداً منها وأنا أقلب أوراقها، من مجلة هنا موسكو إلى مجلة أميركا إلى مجلة العربي الشهيرة.
وإذ كنتُ أقف على أعتاب السنة الثانية عشرة من عمري، الصف السادس إبتدائي، الذي كان شهادة رسمية حينها، يهديني والدي كتاب (كليلة ودمنة) قائلاً لي: سأرى إن كان سيسعدك هذا الكتاب، إنه يناسب عمرك الآن أكثر من هذه المجلات وكتب الكبار.
ما أروع الذكريات حين ترتبط بنهج تربوي سليم، يشعر الإنسان معه أنه كان محظوظاً بوجود والدين يضعان أولادهما على طريق الحياة بشكل سليم، لاسيما الأب المتابع لحركة الثقافة والعلم بكل أبعادها، آخذاً بيدهم كي يخطُّوا حياتهم، ويمشوا خطواتهم بنجاح.
قرأت هذا الكتاب بسرعة بعد أن كان والدي قد حكى لي عن أصل حكاياته، وعن ابن المقفَّع، وعن…وعن…..وعن….
لازال عبق الحديث، ومشاعر سعادة والدي تستنهض مشاعري وأحاسيسي وذهني، لأنها استدعتني إلى التفكير فيما بعد بقيمة الكتاب، وقيمة المطالعة للكتب الجيدة، ودور الآباء بتربية الأبناء على حبها، وحب الثقافة التي ستكون زاداً زاخراً بالكثير في حياتهم.
كان كتاب (كليلة ودمنة) أوَّل كتاب قرأته في طفولتي، ولكثرة ماأحببته أعدت قراءته، وهذه العادة استمرت معي طويلاً في مراحل عشقي للقراءة، لأنني كنت أشعر أنني في قراءتي الأولى أستعجل معرفة الحدث ونهاياته، لكنني في المرة الثانية أحفظ منه جملاً وصوراً وأنا أنقده وأتابع أسلوبه ولغته، لاسيما حين كبرت.
هل ارتبط هذا الكتاب بخيط خفي يصل إلى أيام بدأت بكتابة أول مجموعة للأطفال رغم قراءتي فيما بعد لكتب الكبار التي ندر بينها قصص الأطفال ؟!
وأنا أعود إلى علم النفس متغلغلة من خلاله في كوامن النفس البشرية، ومسيرة حياة الإنسان، أجد أن لاشيئ مما نمر به في حياتنا يأتي عبثياً.
مع تنقُّلي في مدارات الحياة كنت أتعلَّق بالكتاب أكثر فأكثر، وكنت كلما قرأت كتاباً جديداً أشعر كمن يشرب من ماء البحر، فلا هو يرتوي، ولا البحر ينقص.
فالفكر الإنساني يعطي المزيد يوماً بعد يوم متناسباً طرداً مع القراءة والمطالعة المستمرة، مايجعل الحياة تضع جديداً أمامنا في كل يوم ينقلني من الأدب إلى السياسة، إلى العلوم والدراسات، يرافقه قول والدي لي أنَّ أروع العقول هي التي تتغذَّى من رحيق الكتب المنوَّعة، كما النحلة يطيب عسلها متنقلة بين الزهور المتنوعة في رحيقها.
مرَّت الأيام دون أن يخطر في بالي يوماً أنَّ كتاب الحكايا هذا، المُدْرَج في مناهج الأطفال التعليمية فيما بعد، وكان أوَّل ما التصقت به عيناي وعقلي وقلبي، سيأخذني إلى تأليف وصناعة كتاب الطفل، رغم أني كنت قد كتبت قصة للأطفال، ورسمتها، وعُلِّقت على جدار غرفة صفي، الصف الخامس إبتدائي في إبتدائية مصياف لعامين، رغم مغادرتنا إلى دمشق.
كان الجو العام الذي يحيط بي يحرِّض ذهني على نشاط دائم بين الكتابة والرسم، لاسيما نظم الشعر الذي وصلت إلى الصف العاشر ثانوي وأنا أحفظ منه ألف بيت لكبار شعراء العربية، وربما كان هذا الأمر وراء نظمي للشعر بكثرة منذ طفولتي.
ولكثرة قراءتي للأدب كان الحلم في قلب وعقل والدي يكبر، مايجعله دائماً يحدثني عن نساء أُعجب بهن، كعائشة التيمورية، ومي زيادة، وإلفة إدلبي، وبنت الشاطئ، مكرراً مقولته: المرأة يابنتي هي من تبني المجتمع، فلا تجعلي وقتك يمتلئ بفلانة فعلت كذا وعلَّانة فعلت كذا لأنَّ هذا سيأخذك إلى مكان لا أحبك أن تكوني فيه أبداً، فأنت من ترسمين حياتك بجهدك ووعيك.
بداية لم أكن أفهم هذه العبارة بكل أبعادها لكنني مع صداقتي للكتاب أدركت معانيها الكثيرة، وصرت أحلم بأن أحقق حلم والدي وحلمي بأن أكون امرأة مشاركة في بناء أسرتها ووطنها.
تنتقل الذكريات إلى مسرب آخر من مسارب حياتي، عبر سؤال: ماهو أول كتابٍ لك ؟، الجواب لاينفصل عن جواب السؤال الأول، بل يرتبط بخيط ربطه القدر والعزيمة بأيامي، فكان أوَّل كتاب خُطَّ عليه اسمي هو كتاب (مختارات من الشعر الروسي) الذي ترجمه الدكتور (ماجد علاء الدين)، وقمتُ بإعادة صياغة أشعاره المُتَرجمة وفق وزن الشعر العربي، مع هذا لا أعتبره إنجازاً أسعدني رغم جهدي الكبير فيه، وذلك لتوقفي عن إتمام الأجزاء التالية، ولأنني كنت أحلم بكتاب أقوم بتأليفه كاملاً.
بعد انتهائي من دراستي الجامعية ودخولي معترك العمل الإعلامي تحقق حلمي ببداية لا إرادية، وغير مُخَطَّطٍ لها، وهي مجموعة من قصص للأطفال عام 1984، صمَّمتُ لوحاتها وأخرجتها، بعد أن كتبها الخطاط القدير (عبد القادر قصيباتي)، وطرحتها في السوق العربية، لأصبح بعد ذلك معدَّة لصفحةٍ للأطفال في جريدة الثورة، التي كنت أكتب فيهأ مقالات سياسية، ثم في مجلة المرأة العربية، لتكون فيما بعد ساحة أدب الأطفال الساحة التي سيطرت على حياتي سنوات طويلة، وماتزال، رغم استمراري بكتابة المقالات السياسية والثقافية.
إن عالم الكتاب في خضم الثقافة عالمٌ كالمحيط الواسع، الذي مهما حاولت سبر أعماقه ستظل مقصِّراً.
وإذْ تستمر حياتي في عالم الثقافة والأدب مؤلفة لكتاب الأطفال، والرواية، وقصة الكبار والشعر والدراسات المتنوعة، يحتلُّ ذاكرتي أنَّ أول كتاب قرأته كان يغلب عليه انتماؤه لأدب الأطفال، وأول كتاب ألَّفته كان للأطفال، مايعني اتصال جزئيات الفكر بحبل سري مرتبط بالروح والعقل والذاكرة.

العدد 1121 – 22-11-2022

آخر الأخبار
مشاركون في معرض دمشق الدولي لـ"الثورة": عقود تصدير وجبهات عمل من اللحظة الأولى  معرض دمشق الدولي .. عندما تحوك سوريا ثوب السياسة بخيوط الاقتصاد  توطيد التعاون التربوي مع هيئة الاستثمار السعودي لتطوير التعليم الافتراضي  د. أحمد دياب: المعرض رسالة اقتصادية قوية ومهمة  د. سعيد إبراهيم: المعرض دليل على انتعاش جميع القطاعات "نشبه بعضنا" أكثر من مجرد شعار.. الجناح السعودي يتألق في معرض دمشق..  بعد استكمال إجراءات فتح طريق دمشق- السويداء.. دخول أول قافلة مساعدات أممية إلى المحافظة محمد كشتو لـ"الثورة": المعرض نافذة حقيقية للاقتصاد السوري "المالية" تطلق "منصة الموازنة" لتعزيز كفاءة إعداد الموازنات الحكومية في جناح " الزراعة " منتجات للسيدات الريفيات المصنّعة يدوياً.. مساحة تفاعلية تجمع بين الخبرة والإ... تشغيل بئر مياه جديدة في حمص خطة شاملة لتعزيل وصيانة المصارف والأقنية في الغاب لعام 2025 انضمام المصارف إلى نظام SWIFT.. بوابة نحو عودة الاستثمارات وتعافي الاقتصاد مشكلة مياه الشرب مستمرة.. وبصيص نور كهربائي في تل الناقة طريق حلب- غازي عنتاب.. شريان سوريا الشمالي يعود للحياة من جديد منظمات خيرية تدعو لدعم فوري.. إشادة واسعة بمكافحة التسول في حلب وائل علوان لـ" الثورة": معرض دمشق الدولي منصة لتثبيت استقرار سوريا  معرض دمشق الدولي الـ62.. سوريا تفتح أبوابها مجدداً للعالم أونماخت يؤكد أهمية استمرار الحوار والتعاون البناء مع سوريا  "سيريتل" تطلق عهداً جديداً للتواصل والخدمات