مع أن هناك تجارب مشابهة لتجربة التيناوي بمواضيعها وتقنياتها، وخاصة في تونس (محمد الفرياني)، وفي مصر، فإنه يبقى أشهر الرسامين الشعبيين العرب، وأكثرهم انتشاراً، وقد عُرف على نطاق واسع من خلال رسومه التي استخدم فيها تقنية الرسم تحت الزجاج.
ولد أبو صبحي التيناوي عام 1888، ونشأ في حي شعبي بجوار (باب الجابية) أحد الأبواب الجنوبية لسور دمشق التاريخي، حيث كان يملك دكاناً يبيع فيه الأدوات المنزلية ويستخدمه في الوقت ذاته (مشغلاً) لرسوماته، ومكاناً لعرضها وبيعها.
اسمه الحقيقي محمد حرب، وحصل على لقب التيناوي عن طريق زوج أمه وبقي يوقع به طيلة حياته، ويضيف إليه أحياناً عنوان: باب الجابية – زاوية الهنود – دمشق – سورية.
استمدت معظم رسومه مواضيعها من الحكايات والملاحم والسير الشعبية التي كان يسمعها من (الحكواتية) في مقاهي المدينة القديمة، وشكلت أساس ثقافته ومصدر إلهامه، وخاصة سيرة (عنترة وعبلة) التي كانت موضوع القسم الأعظم من رسوماته، في حين أنه لم ينل من التعليم إلا ما يساعده على كتابة اسمه، وبعض العبارات القليلة التي تسمي أبطال رسومه، أو تصف الأحداث فيها.. والطريف أنه كتب عنوانه في إحدى رسومه (زاوية الهنود) بالذال وبالتاء المفتوحة (ذاويت).
من الصعب تأكيد تأثر التيناوي برسوم شاهدها، لكن ذلك لا يمنع من افتراض حدوث مثل هذا الأمر، ذلك أنه تظهر في رسوماته المفاهيم الفنية التي سادت فن المنطقة منذ حضارات وادي الرافدين، مروراً بالأيقونات المسيحية، والمنمنمات الإسلامية، لا لجهة الأسلوب الذي يلغي المنظور التقليدي، والبعد الثالث فحسب، وإنما أيضاً لجهة طريقة بناء اللوحة، وعدم ترك مساحات فارغة فيها، بحيث تُشغل أي مساحة فارغة بالزخارف والكتابات.. وإلى ذلك تناول الرسوم لبعض الحكايات الدينية ذات البعد الشعبي. وتملك الخيول حضوراً هاماً في رسوم (التيناوي) مستعيدة من الذاكرة الرسوم التقليدية لمار جرجس (الخضر)، والصور المتخيلة ل (البراق) الوافرة الحضور في الرسوم الشعبية الإسلامية..كما يظهر بشكل ما تأثره بتقنية (صندوق الدنيا) الذي يترافق فيه حديث (القصاص)، مع رسوم القصص التي يقصها، والتي يتابعها المشاهد (الأطفال غالباً) عبر نوافذ زجاجية دائرية صغيرة، تكاد لا تصل إلى سعة مساحة وجهه.
كحال معظم تجارب الفن الشعبي التي وصلتنا، استخدم التيناوي الألوان الأساسية دون متمماتها، وكان يميل إلى الألوان الأكثر صراحة على خلفية بيضاء تضاعف من قوة حضورها، واتسمت خطوطه بالليونة والعفوية ولم يكن على الأرجح يخطط لرسوماته مسبقاً حيث أنه في بعضها لم يتسع الكادر لباقي ذيل الحصان فأتمه على جانب آخر من (اللوحة).
توفي التيناوي في أوج شهرته ونجاحه عام 1973 دون أن يغادر مسقط رأسه.. وربما أن صدفة سعيدة ساهمت في هذه الشهرة والنجاح، إذ يقال إنه لفت انتباه فريق تلفزيوني أجنبي كان في زيارة لسورية فأعد تقريراً عنه..وإذا كانت موهبته الفطرية ليست مما يُختلف عليه، فإنه لا يمكن التسليم بفكرة أنه حالة فريدة غير متكررة في الفن الشعبي السوري، لأن الفرصة التي أتاحت التعرف على تجربته، لم تتح لآخرين لا نعرفهم، ونفترض أنهم وجدوا في زمن ما ومكان ما.
ومنهم على الأقل رسامو (صندوق الدنيا)، والكثير من الرسوم الشعبية المغفلة من أسماء أصحابها.