الملحق الثقافي- رفاه الدروبي:
كم سبقتنا اللهفة عندما كنَّا صغاراً لشراء مجلة للأطفال، ليكبر في نفوسنا حلم القراءة وحب اللغة من خلال مطالعة مكتبة المدرسة، فتجول بنا بين كبار الأدباء ونغوص في بحر اللغة، وجزالة ألفاظها ومتانة تعابيرها مُنتشين بسحر معانيها؛ لكن كيف حال شبابنا مع اللغة العربية اليوم، وكيف ينظرون إليها، وماذا علينا أن نفعل لجذبهم أكثر نحوها وكشف جمالياتها؛ والصعوبات الحائلة دون الإقبال عليها؟.
وعاء لإرث حضاري
الكاتب حسام المقداد يرى بأنَّ اللغة العربية لغة القرآن ولغة أهل الجنة في أغلب الأقوال، ووعاء ضمَّ إرثنا الحضاري على مرِّ العصور، ورابط من روابط وحدة أمتنا؛ شهد عدد الناطقين بالفصحى تناقصاً بسبب غلبة اللهجات المحلية ودُرجت العصرنة الطاغية من دون أن تواجه بالشكل الأمثل، فأصبحت العامية لغة المدارس والجامعات وتمَّ الاستسهال بالفصحى والسماح بالدخيل العامي أمراً محموداً، ما أدَّى إلى ضياع هيبة اللغة وانحسار عدد المتحدِّثين بها.
الكاتب المقداد نوَّه بأنَّ الرجوع إلى الفصحى يكون بتمكينها في مراحل التدريس وحثِّ المدرسين وأصحاب الشأن على التحدُّث بها، وتشجيع القراءة والاهتمام ببرامج ثقافية تُعنى بجمالياتها، إضافة إلى إقامة الورشات المهتمَّة بالبلاغة والفصاحة وجماليات القول، وتشجيع الشباب على الإبداع في تطوير استخداماتها وتوجيه الاهتمام إلى تعريب المنشورات في العلوم المختلفة للاستفادة من تجارب الشعوب ونقلها إلى العربية والعمل على ضرورة استعادة المكانة الرائدة للغة العربية عالمياً، مُؤكِّداً على ضرورة تعزيز حضورها في وسائل الإعلام المختلفة والدعوة إلى أهمّية تبنِّي خطط لدعم اللغة العربية الأصيلة على المنصَّات كلها، وخصوصاً بين جيل الشباب لتأكيد أنَّها لغة عالمية وحيوية، وتشجيع العرب على استخدام لغتهم الأم بشكل عام وبالأخص عبر الشابكة ووسائل التواصل الاجتماعي وإقامة المشاريع الوطنية المعنية بجمالها وفصاحتها.
تبسيط اللغة
كما أشار الشاعر صقر عليشي إلى توجيه الاتهامات للغة المحكيَّة وجعلها عائقاً في وجه الفصحى ومسؤولةً عن تعثُّر الشباب في إتقانها وحبِّها، لأنَّ ما تلاقيه اللغة الأم من إهمال وابتعاد عنها ليس فقط عند الجيل الجديد من الشباب بل كان ديدن الأجيال السابقة ولن ننجح بتحبيبها(الفصحى) للشباب والدارسين من مختصين وعرب وأجانب وجعلها متداولة ومحبوبة إلا بالإشارة إلى السبب الحقيقي ومعالجته وعدم دفن رؤوسنا في الرمال تجاهلاً له.
كما أكَّد بأنَّ السبب يكمن في سيطرة المحافظين في توجيه الدفة نحو الاتجاه الصحيح وعدم قبول أي تبسيط وتطوير لها، مُبدياً استغرابه أن يكون كتاباً كألفيَّة ابن مالك على قيد الحياة!!! وأمثاله من الكتب الكثيرة في المجال ذاته حاضرة بقوة، وكم ضحك ذات مرّة عندما أرادوا أن يمكنوا اللغة العربية فوضعوا جائزة لحفظ مائة بيت من ألفية ابن مالك رغم أنَّها قادرة على جعل العربية مكروهة وصعبة التعلم عند الأغلبية العظمى فاللغة المحكية لايقدر أحد على طردها من الواقع وكتب بها أجمل النصوص وأرقّها لما تهواه الروح من بيرم التونسي إلى صلاح جاهين والرحابنة وميشيل طراد وجوزيف حرب وغيرهم كثر، مشيراً إلى لجوء الإنكليز لتغيير مؤلفات شكسبير فبسَّطوا كلماتها لضرورات عصرية والكثيرون يعرفون مدى قدسيَّة شكسبير عند الإنكليز لكن الضرورة تفرض نفسها والحياة لاتنتظرنا، مُشيراً إلى أنَّه يشدُّ على يد الكاتب والمسرحي فرحان بلبل على الجهد المشكور والمبذول من قبله في تبسيط رسالة الغفران للمعري كي يستطيع النشء الجديد قراءتها والاستفادة منها ومن أفكارها.
بالمختصر المفيد لن نحمي لغتنا ونجعلها محبوبة بقمع العامية ومنعها من التداول وحظرها من أن تُلقى من على منابرنا الثقافية كما فعل بعض الجهابذة على امتداد عقود من الزمن؛ بل يجب التوجُّه من دون خجل أو إبطاء لمعالجة الداء الحقيقي برغم أن اللغة ممن سحرتهم فكتبوا بها أجمل ما لديهم وتمنّوا لها العيش الرغيد.
خلدت تاريخنا
بدورها الكاتبة إسمهان الحلواني اعتبرت بأنَّ اللغة العربية مصدر فخر وعزة، فيها خلدنا تاريخنا البعيد، وعبرها نقلنا علوم من سبقنا من مبدعين، اختارها الله لتكون لغة القرآن الكريم، فيها جزالة المعنى، وإعجاز التعبير، وقدرة التلون وتغيير الرداء ليتناسب وأحوال الصورة والموقف، ولكن هل نظرة كل الأجيال للغتنا متشابهة أم أنَّ هناك تبايناً يتغيَّر وفق تغيُّر العمر والمستوى الثقافي والطبيعة الاجتماعية أو طبيعة العمل والدراسة؟ ما ذكرته مؤخراً يؤثر تأثيراً بالغاً في الموقف تجاه اللغة فهناك من يعتقد أنٌّها قاصرة عن مواكبة الحالة التكنولوجية وموافاة التطور التقني الإلكتروني حيث امتاز به الغرب، وهناك من يجد في جزالة المعاني أمراً مقيداً في عصر السرعة والمكننة.
ثم تابعت بأنَّ هناك من أصبح يوشِّي مفرداته باللغة الدارجة العامية ويجدها طريقاً أكثر سلاسة للتعبير عن كل ما يخالجه أو يود إيصاله من دون تكلف، إضافة إلى تطعيمها بالمفردات الأجنبية كنوع من التباهي بمعرفة لغة أخرى مائزة عدا العربية مايندرج في قائمة صعوبات تواجهها لغتنا العربية مع الفئات العمرية الشابة فما دورنا الحقيقي؟.
ورأت أنَّه لابدَّ من رفع بطاقة شكر إلى جامعة دمشق والجامعات السورية بالمجمل لاعتمادها اللغة العربية في التعليم فبدورها تدحض فكرة كون اللغة العربية قاصرة عن المصطلحات العلمية المختلفة وخريجي جامعاتنا برعوا على أتمِّ وجه حتى حين ارتادوا الجامعات التخصصية العالمية الأخرى كما يلقى على عاتق الإعلام السوري أيضاً أن يكثف دعمه لها و التأكيد على جمالياتها باختيار البرامج الهادفة لترسِّخ الوعي الأمثل بإمكاناتها وأهمية تداولها، و لعل وزارة الثقافة تملك أيضاً دوراً ريادياً في إقامة النشاطات الثقافية المختلفة والتشجيع لجعل الجمهور يرتاد الفعاليات فيخلق نوعاً من المصالحة بين مختلف النشاطات الأدبية و الجمهور العازف عنها ليرتاد بدوره وسائل التواصل الاجتماعي ببهرجتها السارقة للعقل والوعي واللغة، ولعل جيلنا كان جيلاً ذهبياً أوجد نقاط التلاقي بينه و بين لغته وتغنى بها شعراً ونثراً ومقالة وأمثالاً شعبية وطرائف عربية رائعة دمثة جعلته يفهم لغته ويعشقها، إنَّه هدف نسعى من أجله للجيل القادم و جيل الشباب.
لغة الضاد
من جهتها الكاتبة شذا نصار أوضحت أنَّه عندما تتصدَّر اللغة العربية أي حوار أو نقاش، ينتابها خليط متضارب من المشاعر، بين الاعتزاز بلغة عشقناها وننتمي إليها؛ وحزن مشوب بالخوف على مصيرها، متسائلة هل ستبقى عزيزة غالية محتمية بين صفحات القرآن وكلام الله؛ أم ستنكسر تحت سهام اللغات الغربية السهلة والدارجة والمسيطرة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر الشابكة باختزالات ورموز، وهل ستلوكها ألسنة جيل تربَّى في المدارس الأجنبية مُنهكاً بأقساطها، تعباً في تعلُّم تاريخها وتراثها وعاداتها، طاوياً أحرف البلاغة وجمال التعبير مقابل ألفاظ توحي بأنَّه ربيب الفرنجي ومدارسه ومن ثم سيطرته؟.
ثم أردفت الكاتبة نصار قائلة: لم تدخل العربية يوماً ما مبارزة السيف مع اللغات الأخرى، لأنَّها ولدت قويةً متكاملة، لاتفوقها لغة ولايغلبها لسان، ولو جاز للعربي أن يفتخر فليزهو بلغة كرّمها الخالق وحفظها في قرآنه الكريم، لتبقى اللغة الأم بين لغات العالم قديمها وجديدها، ولو أردنا أن نتحدَّث عن الفصاحة، والبلاغة، والملاءة والغنى وجمال الوزن والنغم، وتعدد القوافي والمعاني لما رأينا للعربية منافساً بين لغات العالم إذاً أين شبابنا من لغتهم الأم؟.
متابعةً حديثها بأنَّه يمكن لسورية التباهي بين شقيقاتها بأنَّها الوحيدة مَنْ تدرِّس العلوم والطب والهندسة باللغة العربية بينما أصبحت المدارس الخاصة تُدرِّس الإنجليزية والفرنسية وغيرها المرغوبة، وتنافس في تعزيز لغاتها وإهمال العربية؛ لكن أين شبابنا من الثقافة العربية؟.
اعتبرت شذى أنَّ اللغة الوطن، والقومية، فيها مخزون الأمة من تراث وأعراف وتقاليد بل إنَّها مدوّنة التاريخ الحقيقي، المعبِّرة عن صوت و مشاعر أبنائها،
ولايعني أنَّه علينا إهمال اللغات الحيَّة الأخرى، بل (في كل لسان إنسان)، وليس ذنب الشباب الحائر في الظروف أن يهمل لغته ويبحث عن قوت يومه، و يسعى إلى إيجاده في أصقاع الأرض، مُشدِّدةً على ضرورة إعادة النظر في المناهج و المدارس الحكومية كي تستعيد اللغة مجداً سرقته منها مدارس التعليم الخاص دون تفوق بل لعجز في الأساتذة والطاقم التعليمي، مؤكِّدةً على تنظيم حملات توجيه تُحبِّب اللغة العربية من جديد، وعرض أفلام مميزة، ودراما هادفة، وإعلام واعٍ و موجَّه،
وأن لانهمل دور ذوي الطلبة في تعزيز لغة الوطن .. وزرع عشقها في نفوس أبنائهم لأنَّها الأمة والوطن واللغة الأم.
العدد 1177 – 6 -2 -2024