الملحق الثقافي-آمنة بدر الدين الحلبي – جدة:
روحٌ تعجُّ بالأحاسيس والمشاعر، ويندلقُ منها الجمال، ليصبَّ في أيقوناتٍ نحتية تحارُ العين كيف تتلصصُ عليها لتسترقَّ النظر إليها، وتنعمُ ببصيص جميل من ألقها، وكيف لفنانة شكلتْ عوالمها التشكيلية من أكاديمية عريقة، ومن نهج حياتي مملوءة بالملامح الإنسانية لقدرتها على نقل المشاعر الداخلية لأنها على قيد الأنسنة. طوعت الخشب بين أناملها لتحيك القصص الإنسانية التي طوقها الوجع، وزنّرها الحزن، وجثم على صدرها من فحيح ثعابين الحرب، التي حرقت الحجر والشجر والبشر.
الملحق الثقافي سارع «للنبش في ملامح النحاتة أمل زيات خريجة «الفنون التطبيقية» والغوص في ذكريات المعارض التشكيلية والملتقيات النحتية، والورشات الفنية التي شكلت رصيداً فنياً عامراً بالعطاء.
ما هذه المشاعر التي فردتها النحاتة أمل في أعمالها؟
ـ مجموعة تراكمات لِما يئنُّ في داخلي، وما نقشته الذاكرة من أحداث وروايات، وربما من مواقف عشتها، أو أعيشها باستمرار تؤرق روحي وتدفعني لاعتلاء إزميلي لينحت ما تراكم على جسد الذاكرة في عمل فني يحكي آلامه وآماله ربما يطول مخاضه، ويبقى لسنوات حتى يرى النور.
من ضرورات العمل هذا التأخير؟
ـ العمل في المنحوتة يكون في ساعة لحظية. أتركها فترة من الزمن وربما تطول، لأعود لها مرة أخرى كي أنهي العمل كاملاً، وبنهاية الأمر هي نتيجة حتمية لحياة أعيشها بكل مفاصلها سواء معي أو مع غيري.
كيف تخرج المشاعر تخرج؟
ـ الحياة مزيج من فرح وحزن، من وجعٍ وألم، وخاصة في العشر العجاف التي عشناها وما زلنا تحت وطأتها، ولا نريدها أن تؤثر على مجرى حياتنا أو تنهينا، وإن تركت فينا ندبة صغيرة تنزف.
إلى أي حد كان النزيف موجعاً؟
ـ من الصعب وصفه أو توصيف ذاك النزيف. كلما رحَّلتُ قوافل الأحزان تعود لتشدَّ مضاربها إلى قلبي.
لخشب الزيتون عبقٌ يستوطن على جدار الروح، ما سر تعلقك بتلك المادة؟
ـ لشجرة الزيتون قداستها، ولرائحة البخور عبقٌ مميز، ليس عندي فقط بل عند الأغلبية، ولكل إنسان حكايته مع البخور فكيف وأنا أنحت في أغصانها أسرح مع عطرها لتأخذني لعوالم كثيرة لم أكن أفكر فيها مطلقاً.
كيف تطوع أمل شجرة الزيتون في إزميلها؟
ـ هي من تطوعني وتجبرني للسياق التي تسير به وتدفعني لعوالم مملوءة بالحكايات والقصص من الصعب تخيلها.
ماذا تشاهدي في تلك القصص؟
ـ وجوه جميلة وأجسادٌ جميلة، وربما أرى وجه من أحب فيها لقداسة شجرة الزيتون وأعشق العمل في جذوعها.
ماذا تعني لك تلك القدسية؟
ـ ساحرة تأخذني لعوالم مختلفة وجميلة.
في صالة عشتار أقمت معرضاً تحت عنوان «ملامح» قدمتِ 33 عملاً من الخشب والبرونز تحكي واقعاً سورياً ملموساً، لماذا كان التركيز على البروتريه أكثر؟
ـ لاعتباره نقطة التقاء مع الشخص الآخر، ولكي أعرف الشخص الآخر أقرأ ملامحه، فأطلقت على المعرض عنوان «ملامح» وعلى سبيل المثال لا الحصر، حين أسير في الطريق تجذبني الوجوه لأقرأ ملامحها، وأصيغ حكايتها في أعمالي النحتية.
ماذا تستنبط أمل من تلك الملامح؟
ـ تستثيرني تلك الملامح، لأكتشف عوالم غريبة وحكايات، فتجذبني لأعرف ما الذي يدور في داخلها. تثيرني ولا تأسرني طوال الوقت.
ماذا تقرأ أمل بتجاعيد السنين؟
ـ كل خط من خطوط الوجه يحكي رواية عمر، فرح وحزن، وتراكم سنين خلت، في وجه يعجّ بالتجاعيد، وينوء بحمل ثقيل من الروايات المسطورة على تلك الخطوط.
هناك وجوه مريحة وغير مريحة، ماذا تأخذين من الاثنين؟
ـ الوجه المريح يمنحني الودّ ويصبح قريباً للقلب أما غير المريح فيعمل حالة نفور وعدم التقاء، فالأرواح جنود مجندة.
يُقال «إن العيْن مغرفة الكلام» أين العين في منحوتة أمل؟
ـ لا أعمل على العين كثيراً، ما تهمني ملامح الوجه، ومثال على ذلك معرضي الذي تكلم عن المرأة، الفكر وليس الجسد، عن المرأة الروح، فألغيت الرأس كليا، لأجذب المتلقي للعمل.
كيف تقرأ أمل المرأة؟
ـ المرأة روح جميلة مقدسة وفكر معطاء لذلك أحب التجديد والتطوير بتقنيات متعددة.
أي المواد تحب أن تعمل عليها أمل؟
ـ الخشب هو ركيزة في حياتي مهما عملت على خامات مختلفة أعود للعشق الأول «الخشب» مع العلم للحجر ديمومة أكثر من الخشب.
هل ينطق الحجر؟
ـ أطوّعه كما أريد، وحين ينطق الجمال، يصمت العالم.
كتبت أمل: «العلاقة بين شخصين لا يتسرب الماء بينهما.. كم وصل تمازج أرواحهما واحتواء كل واحد منهم ضيق الآخر حتى وصل ذاك الحد الذي لا ينفذ منه الماء» في «منحوتة القبلة»..هل علاقة كل شخصين يا ترى بهذا التصور؟
ـ القبلة حالة فردية بين شخصين عاشقين تحديدا، ولا يمكن أن أوازي كل اثنين بتلك الحالة.
الفنان جبران خليل جبران قال في القبلة …»هي الرشفة الأولى من الكأس التي ملأتها الآلهة معلنة صيرورة القلب عرشا والحب مليكا والوفاء تاجا» ماذا تقولين في «منحوتة القبلة»؟
ـ القبلة حالة إنسانية وروحانية، تحكي عن عشق بين اثنين وألق روحي، وطالما هناك عشق يجب أن يكون سمو في هذا العشق، ومرحلة العشق تختلف عن مرحلة الحب. لذلك شكلت العمل بما أحمل من مشاعر لحبيبي وزوجي.
شاركت في بورتريه جداري من خشب الزيتون في المعرض الإلكتروني المشترك بين سورية وأوكرانيا، ما الهدف من تلك المشاركة؟
ـ للانفتاح على عالم آخر في ظل الحصار على سورية، وتسجيل حضور عالمي بالمشاركة وتحقيق «الانتشار» وكسر الحصار.
تركتم بصمة حضارية مميزة في سجل الثقافة الغربية؟
ـ عرّفنا العالم عن الفنان السوري المثقف والذي يحمل خبراتٍ عميقة ومتنوعة جعلته يترك أثراً جميلاً، عاد على الوطن بالكثير.
هناك أمل في المستقبل القريب؟
ـ ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.
عن ماذا كان يدور العمل؟
ـ عن الحضارة السورية، حيث استلهمت من أورنينا العازفة حليّا عملته وقدمته فنال الإعجاب.
ماذا تشكل أورنينا لديك؟
ـ «أورنينا» رمز للمرأة السورية.
ماذا قال لك إزميل النحت في ظل الحرب السورية؟
ـ حديث من الجوى بيني وبين منحوتتي، الذي لا ينتهي، ولولاه لما استطعت الاستمرارية
انصاع الإزميل لأوامرك؟
ـ ما دمت مالكة لأدواتي استطعت تطويعه.
رصدت مشاعر إنسانية للفيحاء وكتبت ..»دمشق يا من تعمدنا بعطرها.. وشربنا من روحها.. ونسجنا من أعوادها إكليل موت ولا يفنى…» ما هذا العشق الممزوج بالحياة والموت؟
ـ أنا ابنة دمشق القديمة ابنة الحياة والشمس، كل زاوية فيها حفرت على قلبي ذكرى، وفي كل ركن نقشت جمالها، دخلت صومعة الحزن خلال الحرب، وأوجعت روحي، وشقّ الشوق شوقي إليها اشتياق العاشق العنيد حين بقيت أربع سنوات لا أستطيع زيارتها، ولا زيارة أهلي في باب توما، لأنها تحولت تلك الساحة الجميلة من ساحة للفرح إلى ساحة للموت، فأصبح سجني مضاعفاً. عشت الموت والحياة بآن واحد، إلى أن انقشعت الغمة وصار عرس الانتصار.
صحيفة الثورة السورية رصدت الكثير من أعمالك للمرأة، ما الوصف الذي تطلقيه على المرأة السورية؟
ـ المرأة آلهة مقدسة أعطاها الله كل شيء في الحياة لم يعطها لأحد تحاول أن تستثمرها لتصنع الجمال في بلد الجمال.
هل ما زال الحب ينبضُ؟
ـ لا حياة دون حب مطلقاً، ولا تستوي الحياة دونه.
هل تزوجت عن حب؟
ـ بل عشق أبدي، ولولا هذا العشق لما تمّ الارتباط.
أين كانت القبلة الأولى؟
ـ كان في ملتقى دمشق، وكانت قبلة مشهورة على مرأى ومسمع من العالم، لأنه عشق معلن.
شاركت بالعديد من الورش والملتقيات وحصدت جوائز كثيرة ما الذي أضافت لعالمك؟
ـ أعطتني خبرات متراكمة، من تجارب حياتية ممزوجة.
بين الخشب والبرونز أيهما أصدق في التعبير؟
ـ الخشب لمسة مباشرة أصدق يمنحني الدفء، بينما البرونز يمر بمراحل متعددة تأخذ معها الكثير من الانفعالات الأولى.
من وراء هذا النجاح؟
ـ مدينتي وعائلتي وجامعتي ولولا تشجيع الأهل والزوج المبدع والفنان الرائع والسند لما وصلت لهذا النجاح، لأنه منحني مساحة كبيرة لأكون النحاتة أمل.
مسك الختام
ـ أتمنى للنحاتة السورية تأخذ حقها، ولا تكون مجرّد ضيفة لذلك أقمنا معرض أوغاريت لنقول نحن الفنانات السوريات لنا حضورنا الثقافي والفكري والفني.
العدد 1216 –3- 12 -2024