الثورة – ديب علي حسن:
محمود السيد – المربي والمفكر اللغوي والباحث، الذي له بصمة في كل مناهج تدريس اللغة العربية، ليس في سوريا، إنما في الوطن العربي، وهو رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، وكان وزيراً للتربية ثم للثقافة، ما من متابع إِلَّا ويعرف سيرة حياته العطرة المعطاءة النقية.
أصدر مذكراته منذ شهرين، وهي سِفرٌ أدبي يضجُّ بالحقيقة، فيها كل ما أراد أن يقوله، لم يخشَ بطش النظام أبداً.. نعم صدرت والنظام قائم وفيها يقدم الأدلة على فسادهم.
قبل أن نعرض بعض ما قاله نتوقف عند التقديم بقلم الأستاذ الدكتور مازن المبارك الذي يقول:
إن هذه المذكرات أشبه بشاشة (بانورامية) كبيرة، تبدو الصورة فيها واضحة، وقف المذيع طلق اللسان في وسطها يشرح لك، على حين تطالع بعينيك ما له من صور البيئة والأحداث الاجتماعية، ومنابر الخطباء، وبرامج المتحدثين وآرائهم وبياناتهم وقصائدهم تتلى على مسامعك!
إن الدكتور السيد (إعلامي) ناجح، يصوّر لك من خلال مراحل حياته وحياة المجتمع والوطن، بكل من فيه، وما فيه من طبيعة وبيئة ورجال وأحداث.
إن في هذه المذكرات:
يتحدث وفاؤه بعاطفة عن بيته وأسرته، وعن وطنه وساكنيه.
وإعلان رأي صادق فيما يرى من أحداث مؤسفة، كالانفصال بعد الوحدة ومن ضياع للزمن، وخسارة للرجال.
وشهادة حق وعدل على رجال كشفت حقائقهم، وعرفت أحوالهم.
في هذه المذكرات آراء صريحة لكاتبها في كثير من الرجال والمؤسسات.
فيها صورة لحياة عريضة خاض صاحبها غمارها، وصارع أمواجها، بكل ما فيها من معاناة، كل ما رأى من أحداث عائلية واجتماعية ووطنية وسياسية كل ذلك، بماله وما عليه، وصرّح فيها بآرائه، أعجبتنا أم لم تعجبنا، وإنها تاريخ، ومتى كان التاريخ يكتب ليرضي قراءه.
– إفساد التربية:
لن نسهب في سرد المذكرات الآن لكن نختار ما كتبه عن تدخل رموز النظام البائد في العملية التربوية وكيف تصدى لذلك ودفع الثمن، وأعيد، لقد كتب ذلك قبل سقوط النظام ونشره بمعنى آخر أنه يقول الحقيقة مهما كان الثمن:
(وإذا أعطيت استثناء في يوم من الأيام فتح الباب على مصراعيه، ولايمكن إغلاقه بعد ذلك، ولقد تعرضت من جراء ذلك إلى انتقادات من أعلى المستويات آنذاك، فقد أرسل إلى الدكتور زهير مشارقة رحمه الله نائب رئيس. الجمهورية قائمة بأسماء عدد من حملة الشهادة الثانوية تضم بناتاً، وبين قبولهم في الصف الخاص عام ۲۰۰۰ وعندما اطلعت على درجات هذه المجموعة وجدت أنها أقل بكثير من آخر درجة وصلنا إليها في القبول إذ كنت حريصاً أن نأخذ إلى الصف الخاص الحائزين درجات عالية في الشهادة الثانوية، فكان آخر درجة وصلنا إليها ۱۸۹، أما القائمة المرسلة فكانت أكبر درجة لحامل الشهادة الثانوية فيها ١٣٦، فاتصلت بالسيد النائب معتذراً عن قبول الأسماء التي أرسلها في الصف الخاص، فقال لي غاضباً ما هذا الكلام يا شيخ؟ كان الرفيق أبو علي ويقصد به الوزير السابق) يعطينا عشرين استثناء في اليوم الواحد، فقلت له يا سيدي لكل شيخ طريقته، ولايمكنني بأي صورة من الصور، وبأي شكل من الأشكال أن آخذ الحائز درجة ١٣٦ مكان الحائز ۱۸۸ لأن ذلك حقه، ذلك أن آخر درجة وصلنا إليها تسلسل الدرجات هي ۱۸۹، فمعذرة أرجوك.
وكان اللواء غازي كنعان في لبنان، وقد جاء إلي مدير مكتبه برتبة يحمل قائمة أرسلها اللواء للقبول في الصف الخاص أيضاً، وكانت درجة الأسماء متدنية جداً فرفضت ذلك حاولوا مرات ومرات ولكن لم أنفذ أبداً.
ويضيف الكثير من الوقائع في هذا المجال ولاسيما من قبل أعضاء مجلس الشعب ومن مختلف المحافظات، إذ يأتون حاملين طلبات الاستثناءات، وتعود مع الرفض.
الامر الذي جعل بعضهم يقول (الله لايوفقه قطع برزقتنا)..
ومع أول تغيير وزاري كان أن نقلت الى وزارة الثقافة.
كما قلت.. المذكرات تاريخ ثقافي واجتماعي وسياسي لسوريا بشكل غير مباشر، وهي شهادة على ممارسات أزلام النظام الذين أرادوا التدخل في كل شيء.
أما رحلة الطفولة والتعليم والتحصيل والتدريس والتأليف فلها وقفة أخرى.
صحيفة – الثورة