يعرف الإنسان بأنه كائن مثقف وأنه نتاج ثقافة معينة تحدد موقفه من الحياة على وجه العموم، وعند الحديث عن ثقافة القراءة ووضعية الكتاب على المستوى العربي مقارنة مع نظرائه في الدول الأخرى يبرع بعض النقاد في توجيه العديد من الملاحظات التي تصل إلى درجة الرثاء لحالة المواطن والقارئ العربي على وجه العموم من خلال لغة الأرقام وسوق التداول والمعارض المتخصصة في هذا الإطار ويتم التركيز على نقطة محورية، وهي أننا أبناء أمة اقرأ لا نقرأ، ويعزون ذلك إلى جملة من الأسباب منها ما يتعلق بنسب الأمّية والوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطنين وسلم أولوياتهم وموقع القراءة والثقافة عموماً في وعي الناس وتكريسها كثقافة وسلوك اعتيادي وغير ذلك من أسباب.
وعلى أي حال وقبل الدخول في حيثيات العنوان يطرح السؤال حول دقة البيانات والإحصائيات المتعلقة بعدد القراء العرب ومدى شفافيتها، حيث يلاحظ الاعتماد على المعلومة الشخصية دون وجود أدوات قياس للوصول إلى الأرقام، ناهيك عن حصر المسألة في عدد الكتب المطبوعة وتوزيعها ومبيعات المعارض المتخصصة في هذا المجال ما يجعل القارئ والمتابع للنتائج يصاب بالصدمة حيث تشير بعض الإحصائيات التي نشرت مؤخراً إلى أن المواطن العربي لا يقرأ خلال السنة سوى نصف صفحة مقارنة مع الأوربي الذي يقرأ حوالي ثمانية كتب، وبعيداً عن دقة تلك الأرقام إلا أن المهم في هذا الإطار هو البحث في أسباب الظاهرة وعدم الاكتفاء بتوصيفها أو الإشارة إليها ولعل الخطوة الأولى في ذلك تكمن في عدم الحاجة للمقارنة مع الغرب لأسباب عديدة لا ضرورة للخوض فيها ومقاربتها موضوعياً وفق بيئتها وظروفها لجهة الوصول إلى نتائج عملية من هنا يمكننا الإشارة إلى جملة العوامل التي تقف وراء تلك الظاهرة السلبية ويأتي في مقدمتها النسبة المرتفعة لعدد الأميين في الوطن العربي حيث تشير الإحصائيات إلى أن عددهم يزيد على المئة مليون أي حوالي عشرين بالمئة من السكان وإلى جانب ارتفاع نسبة الأمية يبدو الوضع الاقتصادي والمعيشي للمواطن العربي سبباً آخر حيث ترتفع نسب الفقر في أغلب الأقطار العربية ما يجعل مسألة اقتناء الكتاب لا تشكل أولوية لدى المواطن الذي يبحث ويجهد في سبيل تأمين حاجياته الأساسية. وعلى المقلب الآخر يشار إلى مكانة القراءة في وعي المواطن العربي ودورها في عملية التنمية حيث يلاحظ الميل إلى القراءة الدينية كمفهوم تعبدي أكثر مما هو ثقافي، ولعل الإقبال على الكتب الدينية واضح في المعارض ورواد المكتبات العامة والخاصة، وعلى المقلب الآخر تجدر الإشارة إلى جودة المنتج الثقافي والفكري وتوفر الرغبة والحافز لدى القارئ فالقارئ الجيد يحتاج إلى كاتب جيد وهذه مسألة غاية في الأهمية، ناهيك عن تكريس ثقافة أن الكتابة والثقافة فعل مؤثر وخلاق وهذا يتعلق بالنظرة العامة للجمهور لموقع الكتابة والكاتب كسياق متكامل.
وبالعودة إلى لغة الأرقام ودقتها وشفافيتها ومع الإقرار بانخفاض نسبة القراءة والقراء واقتناء الكتب على وجه العموم إلا أن المؤكد هو غياب معايير قياس دقيقة في حساب عدد القراء ونسبة الكتب والإصدارات السنوية وغيرها، فسوق الكتاب لا يمكن حصرها حيث يتم تهريب الآلاف من العناوين في ظل اتساع دائرة الممنوعات العربية ما يفسح المجال لأسواق التهريب إضافة للمكتبات البيتية ومكتبات المراكز الثقافية وما توفره الأحزاب والمنظمات لمنتسبيها من وسائل تثقيف ذاتي ومهني وحزبي وغيره ولا ننسى الأماكن الدينية وغيرها من مطارح للقراءة.
وبالمحصلة لا بد من التأكيد على أن القراءة والثقافة مسألة غاية في الأهمية تستحق أن يشار إليها وإبرازها أولوية في الاستراتيجيات الوطنية فهي ضرورة وطنية وإنسانية وحاجة كغيرها من حاجات الإنسان فهي تنتج وعياً وموقفاً وسلوكاً وانتماء يشكل داعماً وفاعلاً أساسياً في عملية البناء والتنمية الشاملة على وجه العموم وعلى المستويين الوطني والقومي وليست ترفاً ثقافياً.
د.خلف علي المفتاح
khalaf.almuftah@gmail.com
التاريخ: الأثنين 5-11-2018
رقم العدد : 16828