لكل أيديولوجيا خطابها، وكذلك السلطات والجماعات السياسية وغيرها من أشكال التنظيم الاجتماعي والثقافي، ويستمد أي خطاب أهميته من محتواه ومضمونه وقدرته على تحريك الأفراد والجماعات، والتأثير في وعيهم وسلوكهم، وثمة أشكال عديدة من الخطاب وفق الأيديولوجية التي يمثلها، فثمة خطاب قومي وآخر ليبرالي وديني وعنصري وسلفي، ولا شك أن محتوى الخطاب يسعى لتحقيق أهداف ومصالح معينة من خلال بثه بين الناس واستجماع أكبر عدد من الجمهور المستهدف لجهة تشكيل كتلة اجتماعية وازنة ومؤثرة وقادرة على تحقيق المشروع والأهداف المرجوة أو تشكيل رأي عام فاعل ومؤثر.
وتعتبر وسائل الإعلام والمنابر الثقافية والدينية والحزبية والفنية يضاف إليها شبكات التواصل الاجتماعي اهم وسائل بث الخطاب وترويجه بحكم مساحة التأثير المتحققة من خلالها وهذا يعتمد في جانب أساسي منه على مصدر الخطاب ودرجة مصداقيته وحامل الخطاب أو الناقل والجمهور المستهدف ولا شك أن ثمة عناصر ومقومات أساسية لكي يكون الخطاب فاعلاً ومؤثراً ومحققاً لأهدافه يأتي في مقدمتها تمتعه بالمصداقية من مصدره سواء كان سلطة أم حزباً أم شخصاً أم مؤسسة، والأمر الآخر أن يخاطب جمهوراً يجد في الخطاب تناغماً مع مصالحه ورغباته وطموحاته وثمة شروط أخرى تتعلق بالناقل الجيد للخطاب ومستوى وعي الجمهور المخاطب والقوى المؤثرة فيه ولا شك أن الخطاب الناجح هو ذلك الذي يشكل سلطة معنوية مؤثرة على الجمهور بحيث يشكل وعياً يتحول إلى سلوك وثقافة جماعية وتياراً قوياً وفاعلاً على كل المستويات ولعل ما يفقد الخطاب تأثيره وفاعليته انعدام مصداقيته وعدم الانسجام والتوافق بين القول والفعل أو الممارسة فالفكرة الجيدة يسوقها النموذج الجيد والوسيلة يجب أن تشبه الغاية وعلى سبيل المثال من يصدر خطاب النزاهة يجب أن يكون نزيهاً ومن يصدر خطاب المقاومة يحب أن يكون مقاوماً وغير ذلك من الأمثلة ومن يتحدث عن الإنسانية يجب ألا يكون مجرماً.
والخطاب عموماً له صفة المشروع سواء كان سياسياً أم اجتماعياً أمو اقتصادياً أم فكرياً وغيره وغالباً ما تصدر الخطابات عن حزب يطمح للسلطة أو سياسي يريد الوصول إليها إضافة إلى أنواع من الخطابات التي تسعى لتشكيل ثقافة معينة تستجر سلوكاً يشبهها وعلى أي حال فالخطاب بالنتيجة هو وعد بتحقيق إنجازات على مستوى من المستويات التي أشرنا إليها ولعل محك ذلك هو السلوك والعمل وهنا تواجه السلطات السياسية مأزقاً عندما تصدر خطاباً لا تلتزم به عندها يصبح البون شاسعاً بين الخطاب والجمهور ما يفقد السلطة مصداقيتها وبالتالي قاعدتها وحيزها الشعبي ولا سيما أن مساحات التضليل والخداع قد تضاءلت بسبب تعدد وسائل الإعلام وانفتاح الفضاء الكوني بحكم العولمة الإعلامية والقرية الكونية فلم يعد ثمة فضاء وطني مستقل أو أبواب ونوافذ مغلقة تمنع وصول الصوت أو الأصوات الأخرى المناهضة.
إن أخطر ما تواجهه المجتمعات راهناً هو ذلك التأثير الهائل لوسائل الإعلام والدور الكبير الذي تقوم به شبكات التواصل الاجتماعي في الأوساط الشبابية بشكل أساسي وتوطين مفاهيم وثقافات معينة تشكل وعياً قد لا ينسجم مع المنظومة الثقافية والأخلاقية للكثير من شعوب العالم ما يوجد قطيعة بين الثقافات الوطنية والثقافة المعلومة، ويضع العراقيل والعقبات الحقيقة أمام راسمي الاستراتيجيات الوطنية ولا سيما إذا كانت تعاني من قصور في الاستثمار في العقل الوطني أو الانحياز لعصاب سياسي أو حزبي ما يحد من مؤثرات الخطاب الوطني الجامع ولا سيما أن ثمة خطابات ضيقة سواء كانت طائفية أم شعوبية أم ماضوية بدأت تتسرب في الأوساط التي تعاني من التهميش والفقر والجهل ما يمنحها فرصة التأثير في تلك البيئات وتجعل من أفرادها وقوداً للحرائق التي تشعلها قوى ظلامية واستعمارية استثمرت في نقاط الضعف التي خلفتها سياسات غير رشيدة افتقدت رأسمالها الاجتماعي حاملها التاريخي في مواجهة كل التحديات وأداتها النظيفة في تحقيق ما صدرته من خطاب حالم بمستقبل واعد.
د.خلف علي المفتاح
khalaf.almuftah@gmail.com
التاريخ: الأثنين 26-11-2018
رقم العدد : 16845