سيرة مبدع

أسعى منذ بعض الوقت لأستكمل، في معرفتي، صورة المهندس السوري العظيم رضا مرتضى الذي ترتبط باسمه عدة مشاريع إنشائية عملاقة في دمشق، يتقدمها المشروع الأكثر أهمية لحياتها، وحياة أبنائها وقاطنيها، والذي حقق الأمن المائي للمدينة وضواحيها لعقود قادمة.

وفر لي مصمم الديكور علي الحامض بعض جوانب الصورة، بحكم عمله مع المهندس مرتضى في المديرية الفنية لمعرض دمشق الدولي، كما وفر لي المونتير القدير محمد علي المالح جوانب مهمة إضافية عندما أهداني نسخة (للمشاهدة الشخصية) من فيلم وثائقي عن الراحل أخرجه نبيل المالح، وقام هو بعملية المونتاج. إلا أن الهدية الكبرى تلقيتها من المهندس ناهد مرتضى إثر سؤالي له عن بعض المعلومات حول الراحل الكبير فأرسل لي كتاباً عملاقاً فاخراً أعده الراحل كسيرة ذاتية، ولم أكن قبل ذلك أعلم بوجوده، وأعتقد، مجرد اعتقاد، أنه لم تُعرض نسخه للبيع وإنما قدمت كهدية لأشخاص بذاتهم من المعارف والأصدقاء والزملاء. يقع الكتاب الصادر عام 2005 في أربعمئة واثنتين وستين صفحة من القطع الكبير جداً مطبوعة بأناقة فاخرة، وتشغل غلافه، المتسم بالأناقة ذاتها، صور المشاريع الأربعة الأساسية التي قام المهندس مرتضى بإنجازها. بينما يقسم الكتاب المزود بالصور والخرائط والرسوم التوضيحية إلى عدد من الفصول التي تتناول السيرة الذاتية لصاحبه، ووثائق وشهادات عن عمله تبدأ بالإهداء، وتختتم بخلاصة تشير، كما يشير تمهيد الكتاب، إلى أن المؤلف قد أنجز هذا الكتاب بعد أن بلغ الثمانين من عمره.‏

أهدى المؤلف كتابه إلى دمشق «قلب العروبة النابض وحصنها المنيع التي أحببتها وبذلت الغالي من عمري لأحقق على أرضها صروحاً وهبت الحياة لأبنائها بتأمين مياه الشرب لهم على المدى البعيد»، كما أهدى الكتاب إلى والده الذي نذر حياته مناضلا ومقاوما لتحرير وطنه من الاستعمار. وإلى زوجته وأولاده الذين تحملوا غيابه أياماً طويلة صرفها في العمل للصالح العام بعيداً عنهم. ويتطابق هذا الإهداء مع مضمون الكتاب الذي يبدأ بسرد السيرة الحياتية للمؤلف، وذكرياته عن عائلته ومدينته، قبل أن ينتقل إلى سرد التفاصيل الثرية لعمله في المشاريع الكبرى لمدينته على مدى أكثر من خمسين سنة.‏

ولد السيد محمد رضا مرتضى في دمشق عام 1924وأتم دراسته الثانوية فيها، ثم درس الهندسة في الكلية الفرنسية للهندسة في بيروت لمدة عامين، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انتقل إلى باريس ليتم تعليمه الهندسي في كلية الأشغال العامة والبناء والصناعة، وليحصل عام 1949 على بكالوريوس هندسة البناء. ثم ينتقل للعمل مع شركة فرنسية في اليمن، حيث اقترح الوزير السوري المفوض في المملكة العربية السعودية تسميته قنصلاً فخرياً في اليمن بفضل سمعته الشخصية والمهنية العطرة. وبعد عام من عمله في اليمن عاد إلى مدينته عام 1951 ليعمل لمدة 39 عاماً (منها 21 عاماً كمدير عام ورئيس مجلس إدارة) في مؤسسة مياه عين الفيجة التي تغذي مدينة دمشق بمياه الشرب كما هو معروف. وخلال هذه الفترة تمت دعوته لخدمة العلم وبعد إنهاء الدورة التدريبية تم فرزه إلى مكتب هندسة دمشق حيث تم تكليفه استكمال تصميم مبنى وزارة الدفاع الحالي القائم في ساحة الأمويين بدمشق، حيث كانت مخططاته الأولية التي وضعها مهندس ألماني تفتقر إلى حد ما إلى الحداثة والتطور، ولا تتناسب مع الغرض المطلوب منها، وقد قام بإنجاز العمل المطلوب على درجة عالية من الإتقان، وضمن المدة الزمنية التي حددها لإنجازه ما جعله يحظى بتقدير القيادة العسكرية التي أرادت أن تحتفظ به لمشاريعها الهندسية، لكن حدثاً لم يكن بالحسبان بدّل الحال، فقد تعرض المدير الفني لمؤسسة عين الفيجة إلى حادث سير مؤلم أدى إلى إصابته بإعاقة دائمة، مما دفع بالسيد لطفي الحفار المراقب العام لمؤسسة عين الفيجة (وإليه يعود الفضل الأول بتأسيس مشروع جر مياه عين الفيجة إلى دمشق) إلى الطلب من رئيس الأركان إنهاء خدمة الملازم أول رضا مرتضى كي يتم تكليفه مهام المدير الفني، لأن عمله في المؤسسة عمل مقدس، وهذا ما أكدته الأيام التالية من خلال إدارة السيد مرتضى البارعة للمؤسسة، ومن ثم تنفيذ المشروع الأكبر لتأمين المياه لمدينة دمشق على المدى البعيد، وهو مشروع يتضمن الكثير من التفاصيل التي لا بد من الوقوف عندها، وقد أعود لسردها في وقت لاحق.‏

إضافة لعمله في مؤسسة مياه عين الفيجة أُستعين بالمهندس مرتضى مع إحداث معرض دمشق الدولي منذ عام 1954 إلى عام 1966 كمدير للشؤون الفنية، فأشرف على تصميم وتنفيذ معظم منشآته، وقام بتصميم وتنفيذ الجناح السوري بوقت قياسي. ومنذ عام 1951 عمل كمتولٍ لمقام السيدة زينب فقام بتجديد المقام، وتشييد الأبنية الجديدة فيه ليصبح واحداً من أهم الصروح الدينية في دمشق.‏

يلفت النظر في مذكرات السيد رضا مرتضى ذلك الوفاء للأشخاص الذين عمل معهم رؤساء ومرؤوسين وتقديره لعملهم وخصالهم، فهل نفعل لأجله مثل ما فعل، وأقل ما يمكن إطلاق اسمه على أحد الشوارع في المدينة التي وهب عمره لها، وأقام فيها ما لا ينسى.‏

خاصة أن مدينتنا تحفل بأسماء أشخاص لا نتذكر شيئا من عطائهم.‏

إضاءات
سعد القاسم

www.facebook.com/saad.alkassem
التاريخ: الثلاثاء 4-12-2018
رقم العدد : 16852

آخر الأخبار
ترميم العقارات المخالفة في حلب.. بين التسهيل والضبط العمراني عودة البريد إلى ريف حلب.. استعادة الخدمات وتكريس التحول الرقمي فك الحظر عن تصدير التكنولوجيا سيُنشّط الطيران والاتصالات من ميادين الإنقاذ إلى ساحات المعرض.. الدفاع المدني السوري يحاكي العالم ذبح الجمال أمام الرئيس الشرع.. قراءة في البعد الثقافي والسياسي لاستقبال حماة من دمشق إلى السويداء.. طريق أوحد يوصل إلى قلب الوطن  خطوة مفصلية نحو المستقبل.. تشكيل "الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية" لتعزيز المصالحة وبناء دولة القا... معرض دمشق الدولي يفتح نوافذ تسويقية للمنتجات السورية تسويق المنتج الوطني عبر سوق البيع في "دمشق الدولي" حمص تستقبل رئيس الجمهورية..   الشرع يطلق مشاريع استثمارية كبرى لدفع عجلة الاقتصاد المحلي  العفو الدولية: لا مستقبل لسوريا دون كشف مصير المختفين وتحقيق العدالة فيدان: إسرائيل لا تريد دولة سورية قوية.. ونرفض سياساتها التخريبية .. إقبال لافت على الشركات الغذائية السعودية في معرض دمشق الدولي الدفاع المدني.. حاضرون في كل لحظة وزير المالية: مستقبل مشرق بانتظار الصناعة والقطاع المصرفي مع انفتاح التقنيات الأميركية د. عبد القادر الحصرية: فرص الوصول للتكنولوجيا الأميركية يدعم القطاع المالي ندوة الاقتصاد الرقمي بمعرض دمشق.. تعزيز فرص العمل من دمشق إلى السويداء... مساعدات تؤكد حضور الدولة وسعيها لبناء الثقة وتعزيز الاستقرار الشبكة السورية: الغارات الإسرائيلية على جبل المانع انتهاك للقانون الدولي وتهديد للمدنيين في معرض دمشق الدولي .. الحضور الأردني بقوة  بعد الغياب واتفاقيات تجارية مبدئية