ذات صيف بلغني شعور المسرة واليسر .. وكنت قد أنهيت عملاً جئت بشأنه في مدينة جبلة الساحلية الصغيرة .. جبلة أصغر منها اليوم بكثير وأجمل بما لا يقاس .. لم تعد جميلة .. كبرت وتبشعت .. تتنازع مع شقيقتها الأكبر اللاذقية !! بعدما تنافستا طويلاً أيهما أجمل .. أصابهما ما أصابنا كلنا..
نعود إلى ذاك الزمن الجميل .. أنهيت شغلي في جبلة وفي جيبي سبع أو ثمان ليرات .. وكنت في مرحلة الدراسة الإعدادية .. يعني شاباً تقريباً، أو هكذا شعرت بنفسي، إذ أنا أملك كل هذه الثروة من المال .. فقررت السفر إلى اللاذقية .. وهي قريبة وجميلة و.. كلمة .. تقول: اللاذقية غير ما أن تقول جبلة .. !! وفي كلاهما الكنافة طيبة .. والحلوات كثر .. لكن في اللاذقية أكثر .. وأنا ..أبعد أعني: أكثر غربة .. المسافة 25 كيلو متراً .. والأجرة ليرة سورية من أجل مقعد واحد في عربة مرسيدس لخمسة ركاب .. وهكذا اتكلت على الله ..
كنت أتجول في شوارع المدينة مندهشاً معجباً ليس بالمدينة وإنما بحالي حتى طالعني تجمع شبان يلعبون بحبة خردق تحت ثلاثة فناجين .. ومين شافها .. ؟ والرهان على خمس ليرات ..
لن أطيل .. فبعد وقفة تفكير وحلم صغير جربت غبائي وطارت الخمس ليرات ..
كارثة أرعبتني .. ومن شدة خوفي أسرعت إلى الكراج ثم إلى جبلة .. ومن جبلة إلى قريتي وأنا أشكر الله أنني نجوت !! لا أدري من ماذا ..!!
خمس ليرات تلك الأيام غير خمس ليرات هذه الأيام .. وحتى تقدروا الأمر يكفي أن أقول لكم كانت تشتري كيلو خبزاً وكيلو بندورة وكيلو من اللبن وكيلو من لحم غنم ذكر .. وأكثر ..
لماذا غنم ذكر .. ؟! سأخبركم ..
.. أنا لا آكل لحم الأنثى .. أعني الشاة.. تحديداً الشاة .. نأكل لحم الطيور دون تمييز بين ذكر وأنثى .. لا نخجل من حب الأنثى البشرية ..ونربي لحومنا بفضل النساء .. النساء متفضلات بجد .. أما الغنم فذكر تحديداً .. وفي حياتي لم أفهم لذلك مبدأً .. إلى أن جاء يوم كنت فيه أخدم العلم في الجيش العربي السوري … واستحق علي أن أكون أسبوعي الطعام … عندما أعطوني اتفاق شروط الطعام الذي يجب أن استلم بموجبه الأرزاق قرأت فيه نصيب الفرد من اللحم، مرهوناً بأن يكون ذكراً سواء كان خروفاً أم عجلاً ..
عرفت أهمية أن يكون ذكراً وما نسيت ليراتي الخمس التي كانت تشتري كيلو وربع الكيلو من لحم غنم ذكر ..
تراها كم تشتري اليوم .. ؟! كم تشتري لحماً..؟ لحم ذكر .. لحم أنثى .. أي لحم كان؟؟
التسعيرة حسب الدعم وموديل السيارة .. ولا علاقة لليراتي الخمس..
As.abboud@gmail.com