يمن سليمان عباس:
من لم يتذوق طعم الفاكهة السورية لا يعرف نكهة الطيب التي تجمع فيها كل الأطاييب في أرض الشام التي تعني كل سورية عموما وتحديداً الغوطتين أرض خصبة معطاء وماء عذب نمير يروي البساتين..
ومع عودة ألق البساتين وعطاء الأرض عادت دورة الإنتاج، وعاد الباعة الجوالون يطوفون في الشوارع والحارات ونداءاتهم تملأ الأسماع..
واليوم موسم البطيخ الأحمر الذي نقف عند بعض حكاياته كما ترويها نادية الغزي في موسوعتها الشهيرة التي حملت عنوان( من بساتين بلاد الشام ).
ونادية الغزي وهي الإعلامية المعروفة وثقت الكثير من طقوس شراء هذه الفاكهة اذ تقول:
يأبى أهل الشام.. شراء الجبس أو البطيخ إلا بعد أن يشقه البائع أمامهم.. والبائع الذكي يقبل هذا التحدي فتراه يختار من بين جبل من الرؤوس الخضراء ثمرة معلومة يعرف بخبرته سرها وباطنها فيشقها أمام الشاري بسكين حادة ويظهر الأحمر من خلال الأخضر بينهما أبيض ومنتشر فيه بذور سوداء، يحمل الشاري ثمرته الكبيرة ويمضي.
أما عن طقوس الاستهلاك في الشرق يباع البطيخ اكواما، وفي بيوت الماضي كان يؤتى به بالمئات.
يصف صفاً في الأقبية الغامضة ليبقى طويلاً ويومها كانت الفاكهة تقدم للزوار فما إن يمتلىء قبو المنزل حتى يفرغ.
ومن جديد تأتي العربات التي تجرها البغال محملة بحمول الجبس والشمام ومن جديد تمتلىء أقبية الكرماء..
نذهب إلى الغرب..
تبهرنا المدينة التي تقيس ثمن كل شيء.
نشتري حزّاً واحداً مقسوماً من الجبس من البطيخ نأكله ونهش عنه ذباب المدينة ونتذكر بيوتنا القديمة.. أقبيتنا الرطبة الجميلة.. ونعرف أن عيوننا قد شبعت منذ الطفولة أشبعها كرم الآباء والأجداد.
السيارات المحملة:
من سهول حلب وحماة من عاصي حمص، من بساتين الرستن، من اعزاز، من حوران، من كل بلاد الشام، تنطلق السيارات في صباحات الصيف الندية محملة بتلال من البطيخ وتمضي في الطرقات المرصوفة بالأسفل تنزل وتصعد تصل إلى أسواق يوم الخميس تمر في الاوتوسترادات ومن خلفها سيارات عدة فيها أطفال صغار ينظرون مبهورين إلى أكوام من الرؤوس الخضراء.
تود الفتاة الصغيرة لو معها حربة طويلة تمدها من السيارة التي تقلها وتتبع السيارة المحملة بالبطيخ وتغرز الحربة في كرة من البطيخ وتسحبها.
تسأل الفتاة امها أهي سرقة يا أمي أن أفكر بأخذ بطيخة من السيارة الكبيرة بواسطة حربة أغرزها؟
تضحك الأم.. هذا البطيخ ليس لنا يا صغيرتي.
(رغبة ممنوعة).. لن تتحقق قط.

التالي