«قليلة هي الأمور المشتركة بيني وبيني»..
تفتح عبارة كافكا نوافذَ عدّة على أفق التأمل غير المأسور وغير الثابت لمطلق حال يتلبّس المرء.. فثمة أحوال متعددة نتقلّب بينها.. لا نستقر على أحدها..
إيماءة بدفق من تناقضات تسم شخصية أيٍّ منا.. حتى نكاد نتموّج بذات اللحظة بين الشيء وضدّه..
تدفقات من أفكار.. وتموّجات من شطط فكرٍ لا يستقر..
هل يعني الأمر دليلاً على حيوية زائدة.. أم لعلها طفرة فكرية لا وراثية.. تسمح باستقبال ما شاء للأفكار من انشطارات تعصف بذهن المرء..؟
في فيلم «مجهولة بالكامل، Complete unknown» تتنقل المدعوة (أليس، ريتشل وايز) بين شخصيات عدّة، فهي مرة مساعدة ساحر في الصين، ومرة أخرى تعمل في مشفى، وثالثة تعمل كطبيب بيولوجي ميداني.. وفي كل شخصية تخترع لنفسها ماضياً، وحياة، واسماً جديداً.
في أحد المشاهد تقول أليس: بهذه الطريقة يمكن للشخص أن يتكامل..
هل هي طريقة ملتوية للتكامل فعلياً.. أم مجرد صيغة مموّهة للهروب..؟!
هل كانت تكافح حقيقةً، للعثور على من هي..؟
بأسلوبها ذاك، من الممكن لها أن تصل إلى اكتمالٍ ترغب به، لكنه «اكتمال مجهول».. يبقى يرتبط بهويات مؤقتة مرهونة بلحظية آنية غير مستقرة..
فكيف يمكن الانتماء إلى هوية مزعزعة..؟
مزعزعة مهما تلقّطت من حرية..
لعل البعض يُفتتن، لوهلة، بقابلية التغير ومرونته تلك التي تطبعت بها «أليس»، لكنه افتتان مسحوب إلى بقعة غامضة ليس أكثر.. يستجرّ المرء لمزيد من التوهان لا الاستقرار.
التغيير على طريقة «أليس» مجرد قشرة خارجية.. وكما لو أنها حرباء تثير الاهتمام بتقلّبات لونها..
يُقال علمياً، إن ما بين (12) إلى (50) ألف فكرة تخطر ببال الإنسان يومياً.. وأعتقد أن ثمة أفكاراً رئيسية تتفرّع عنها أفكارٌ أخرى وتتشعب وصولاً إلى ذاك الرقم الكبير.
لعل بعضها يمكن توصيفه بهذيانات الصحو.. أو أحلام يقظة.. ووحدها تلك الكبرى التي تسيّر باقي انشطارات أفكارنا، تستحق التتبّع إلى أقصى نقطة مجهولة يمكن الوصول إليها في ذواتنا.. من الممكن حينها أن تتسع رقعة «المشترك بيني وبيني».
لميس علي
التاريخ: الخميس 1-11-2018
الرقم: 16825