منذ تأسيسه في العام 1949 شكّل حلف شمال الأطلسي “الناتو” أداة طيعة بيد الولايات المتحدة الأميركية للعدوان والهيمنة والبطش حول العالم، فيما أنيط بباقي الدول المنضوية تحت لوائه أدواراً وظيفية تخدم المصالح الأميركية دون أي اعتبار لمصالح الشركاء، وقد تمّ البرهان على ذلك في مناسبات كثيرة، كان آخرها الانسحاب الأميركي العشوائي العام الماضي من أفغانستان من دون إخطار بقية الحلفاء بموعد الانسحاب المخزي، حيث فوجئت الدول الأوروبية المشاركة في الحرب بالقرار وعبّرت عن استيائها وغضبها دون أن يكون لذلك أي تبعات تذكر على مستقبل مساهمتها في الحلف.
واليوم يُستخدم الشركاء الأوروبيون في الحلف كحصان طروادة ضمن الاستراتيجية الأميركية لمحاصرة روسيا والضغط عليها، حيث تشكّل الأزمة الأوكرانية اختباراً جدياً وحقيقياً لهم، وتكشف مدى جهلهم ولا مبالاتهم بمصالحهم المشتركة مع روسيا، وقد لا يقدرون خطورة الدور الذي يلعبونه رغماً عنهم، إلا في حال تدحرج التوتر الجاري حالياً على الحدود الأوكرانية إلى حرب ستكون أوروبا أكثر المتضررين منها..!
رغم البروباغندا الدعائية للحلف بأنه “منظمة للسلام” مخصصة للدفاع، وتتحرك فقط في إطار الرد على أي هجوم من قبل أطراف خارجية، إلا أن الحلف مارس أدواراً عدوانية كثيرة، حيث تدخل في الحرب الكورية في خمسينات القرن الماضي وقام بتفكيك يوغسلافيا في تسعيناته، واحتل أفغانستان والعراق مطلع القرن الحالي، وتدخل في ليبيا وسورية في السنوات الماضية، ويضطلع بدور سلبي جداً في العدوان على اليمن، وكان المحرك الأكبر للحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية طوال عقود من الزمن، ها هو اليوم ورغم انهيار الكتلة الشرقية التي كان يتذرع بخطرها على أمن منظومته الجماعية، يمارس دوراً معادياً لروسيا وينشط في محيطها محاولاً محاصرتها بسياج من الأعداء، وفي استراتيجيته ضم العديد من جيران روسيا المهمين لعضويته بهدف تفكيكها وإسقاطها.
ما من شك أن تصعيد الناتو تجاه روسيا وعدم دخوله في حوار عقلاني معها يهدئ مخاوف كلّ طرف سينعكس سلباً على أمن واستقرار العالم، بحيث تتحول الحرب الباردة الجديدة إلى حرب طاحنة، فهل يعي الأوروبيون مصالحهم التي تغامر بها واشنطن قبل فوات الأوان..؟!
البقعة الساخنة- عبد الحليم سعود