لسببٍ ما أخرجتْ تلك العلبة المغطاة بورق (السلوفان) ذي البريق اللامع..
لسنواتٍ عديدة احتفظتْ بها ضمن أغراض كثيرة تكوّمها في أدراج غرفتها.
بسرعة غريبة انزاحت تلك السنوات، التي تفصلها عن صديقتها صاحبة تلك الهدية، بمجرد أن نزعتْ غطاء العلبة وأخرجتْ صندوق موسيقا صُنع على هيئة سفينة خشبية.
أدارتْ “الزنبرك” واستمعت إلى نغمات موسيقية يصدرها الصندوق ذو اللون البني الدافئ..
أعادتْ الكرّة مرّات عديدات، وفي كلّ مرّة كانت تستعيد ذكرياتها مع تلك الصديقة التي كان اسمها يعني الجنة باللغة العربية.. ولهذا اعتادت أن تناديها (بارادايس)..
فجأة تحوّل صندوق الموسيقا لصندوق فرجة بدأ يستعرض ذكرياتهما سوياً.. ذكريات تستعيدها واحدة إثر الأخرى.. مثل فلاشات سريعة.. وامضة.. استغرقت تماماً بتذكرها.. تفاصيل تسحب عبرها خيط ماضٍ لن يعود..
“ذكرياتنا الجميلة مع من نحب، هي عطر الماضي”.. تمتمتْ بهذه العبارة وهي تتلفظ باسم “فردوس”..
فردوس حالة خاصة جداً..
إنسانة لا تشبه إلا نفسها.. راقية وأخلاقية بسبب تربيتها المنزلية المثالية.
صديقتها الفلسطينية كانت تقيم وعائلتها في العاصمة الأردنية “عمان”، ثم انتقلت للإقامة بدمشق لغاية إكمال دراستها الجامعية وإخوتها.. كما الكثير من الطلاب العرب: عراقيين، أردنيين، فلسطينيين، كانوا يأتون إلى دمشق للدراسة في جامعتها.
الآن.. تتذكر أن آخر مرّة تواصلت معها كانت سنة 2009، أخبرتها أنها ارتبطت بشاب يقيم في السويد وأنهما اتفقا على الإقامة هناك.
كلّ محاولاتها في العثور على (فردوس/بارادايس) على فيسبوك لم تنجح. كم تتوق لمعرفة أي شيء عنها.. فثمة كنوز تمنحنا إياها الحياة على هيئة آدمية.. وفردوس كانت أحدها.
وضعت الصندوق في إحدى زوايا غرفتها.. وكلّما خرجتْ أو دخلتْ إليها تدير (الزنبرك)، كأنها تستحضر وجه صديقتها بهيئتها المبتسمة والممتلئة طاقة إيجابية ولا أجمل.
يبدو أننا نكوّم الأغراض والهدايا في أركان كثيرة من أماكننا، وكأننا نكوّم ذكرى من نحبّهم في قلوبنا.. نحتفظ بها خوفاً من نسيانهم.
تدرك تماماً أن فردوس ليست مجرد ذكرى.. هي الأثر الجميل المحفور عميقاً في عقلها وقلبها والذي كلًما تذكّرته، أنار لحظتها فيضٌ من الحبّ والسعادة.