“لا تعد إلى المكان الذي كنت فيه سعيداً يوماً ما، فذلك فخٌ من فخاخ الحنين.. كلّ شيء قد تغيّر، ولن يكون كما كان، حتى أنت.. لا تحاول أن تبحث عن نفس الوجوه، ولا نفس الأمكنة! فالزمن لئيم، وقد تواطأ على هدم ما جعلك سعيداً ذات يوم”.
أعادتني ألسنة النار الملتهبة في ساحلنا الحبيب إلى ذكريات الموج الأزرق والنوارس البحريّة المعجبة بها، كنت أرقبها بدهشة الفتاة الريفيّة المعتادة على القُبرات الخجولة والدّوري الرصين حين ترمي لهم حنطة الفجر على شرفة الصباح فيلتقطونها باستحياء.. من ارتكب الجريمة بحق الجمال والذكريات والأمكنة؟ سأفعل بنصيحة “دي نيرو” لن أعود.. سأحتفظ بذلك الزمن في ذاكرتي، فالحياة تمضي، وهناك دروبٌ جديدة تنتظر خُطانا، وأماكن أخرى لم تُدهشنا بعد، وأشخاصٌ لم يمنحنا القدر لقاءهم”.
لن أعود.. سأرقب إلى مستقبل لا حرائق فيه لا حنين، مستقبل لا ينسى أننا من طين، وأن الأشجار تمثلنا نحن السوريين بتجذّرنا وصمودنا وإرادتنا اللا متناهية، بتماسكنا وتلاحمنا وتعاضدنا، فمن الذي ارتكب جريمة بحقّنا، بحق اللوحة الآسرة.. بحقّ الطيور والسّماء والرّجاء، من خنق رئتي التمنّي ونحن اليوم نتنفس الصعداء؟! من يلبس الحداد لهذه الأشجار، أتستحق الأرض البتول، انفجارات ومخلّفات الحرب اللعينة؟ من سرق النوم من عيون الساحل وكحّل جفنيه بنار؟ من سيّجه بالحقد وعمى البصيرة؟ أنتم لم تسمعوا بقيامة الأرض.. حين يزهر الليلك وينبت النرجس وتسرح الرّنا بحريّة، لا نارٌ في التاريخ إلا وخُمدت، “للعابثين.. سوف ينبت العشب من جديد.. وينتهي كل شيء”.
وحده النور يزيل عتمة الدخان المتصاعد الذي أبكانا وأضنانا وخنقنا رغم بعد المسافات، ها نحن نشتمّ دخان حرائق لا يزال يطفئها أبطال يمشون على فتيل القنابل ولا يهابون، يحتضنون النار بقلب بارد.. وباردٍ جداً.. فبرداً وسلاماً.. ورفقاً بقلوبهم وقلوبنا يا الله.