أمينة

انتهى العرض.. وأضيئت صالة سينما سيتي، وقام المدعوون، وأنا ما زلت في مكاني أتابع أمينة (بطلة – فيلم أمينة) للفنان القدير أيمن زيدان.
فيلم استمر لساعتين تقريباً، لم أشعر بالوقت الكثيف الذي ذاب بين الصورة والصورة. الحوار قليل وبسيط ولكنه معبر ودقيق ويحفر في قلب المشاهد لدرجة أن التفاصيل الصغيرة تتراكم وتأخذ مكاناً في الذاكرة.
أمينة التي خرجت من الشاشة مقهورة، معذبة هي جمع من النساء وليست مجرد امرأة مفردة… هي نادين خوري التي جسدت الشخصية بمهارة وصدق وإحساس عال.. فكانت مخلصة لأمينة، تحمل وجعها ولغتها وتاريخها وتسلمه للمشاهد الذي لم يستطع التغافل عن وجع لا يكف عن الصراخ حتى لا يغفو النسيان ويطوي آلاف القصص الموجعة التي كتبتها الحرب القذرة على وطننا الحبيب سورية.
لأعترف لم أستطع التخلص من وجه أمينة المندهش الصابر الحزين حتى بعد أن غادرت دمشق. كنت أراها واقفة على باب الأبنية المهدمة وفي تقاطعات الطرق عند الحواجز، وفي حقول الزيتون التي ينام تحت ظلالها آلاف الشهداء.. أمينة جزء من الأم الكل.. الأم السورية التي قدمت أبناءها من أجل وطن حرّ أبي.
أمينة (القديرة نادين خوري) استطاع أيمن زيدان أن يقنعها ويقنع المشاهد بأنها أمينة فعلاً (أم سهيل) التي مات زوجها وتركها وحيدة مع ابنتها الشابة وابنها الوحيد (سهيل – جود سعيد – الذي أصيب في الحرب وأدت الإصابة إلى شلل كامل في أطرافه الأربعة وفي حباله الصوتية ولم يبق له إلا رفة الجفن.. ويا لها من رفّة قاسية مؤلمة.. يفتح عينيه فينفتح الجرح السوري ويغمضهما فتستيقظ أوجاع الأمهات والأخوات منذ سبع سنوات ونيف.
لقد أجاد الفنان أيمن زيدان حين حمّل أمينة وابنتها وجع الحرب ومآسيها، لأن المرأة هي المتضرر الأكبر في الحرب.. وهي التي دفعت الأثمان المضاعفة في مجتمع بطريركي متخلف لا يأبه لعطاءات المرأة ولا يحترم قيم الأمومة، فحين مات الزوج وفقدت الأم سندها سهيل بدأت مخالب الذئاب تظهر طامعة بالفتاة لتمزيق شرفها وعفتها بعد أن رفضت أمينة الرضوخ للحاجة المادية والفقر والعوز وقبلت أن تعمل في بيوت الناس وأن تخبز الفطائر ولا تقايض وجعها ببيع ابنتها لرجل انتهازي بعمر والدها.. لقد نجح المخرج هنا في خروجه عن المألوف حيث اعتدنا على الدراما العربية التي تبرر للمرأة أحياناً سلوكاً معيناً بسبب الفاقة والحاجة.. بينما أمينة وعلى الرغم من الدين المتراكم الذي هدد كرامتها وسمعة ابنتها لم ترضخ لابتزاز رجل فاسد لم ير في أسرة أم سهيل المضحية المناضلة سوى ابنتها الشابة التي تدرس (البكالوريا) والتي هي بعمر ابنه، فطلبها للزواج مع وعود مادية ومعنوية وإغراءات كثيرة.. ولولا صرامة أم سهيل وصبرها، كانت الفتاة ستترك حبيبها الشاب وستقبل الصفقة ظناً منها أنها تضحي من أجل تخفيف آلام أمها وأخيها.. لكن أمينة كانت حازمة، فباعت الأرض وردت الدين لذلك الوصولي الذي هو صورة من صور الخراب في البلد المتعب.
تفاصيل كثيرة في الفيلم تغني الصورة والحوار وتضيء الفكرة.. ولكن الأهم من ذلك كله هي رؤيا المخرج والهدف المقدس الذي اشتغل عليه، والتركيز على أوجاع الناس وخاصة الفقراء الذين قدموا الكثير للوطن، لكن الوطن نسي أو تناسى عذابهم وتضحياتهم ففسح المجال للانتهازيين أن يتقدموا ويأخذوا الصفوف الأولى في مجتمع يرى ولا يتفاعل لأن المبدأ صار (يا رب نفسي ومن بعدي الطوفان) لذلك تطاول الكثيرون على الشرفاء أمام أعين المجتمع.
الفيلم أعادني إلى ذاكرة السينما السورية.. وأعاد وهج الأعمال الوطنية والإيمان بالفنان السوري الذي هشمته الحرب مع ذلك ها هو يخرج من بين الركام حاملاً مشعل التميز والاختلاف ليضيء على زمن هرب فيه المنافقون بحثاً عن مصالحهم وبقي الشرفاء والمنتمون يصنعون من القليل الكثير.. هذا القليل سيصحح الصورة وسيؤرخ للحقيقة كما عاشها الشعب السوري وكما ضحى جيشها لا كما يتم التشويه الغربي والنفاق والكذب (العرباني)
أمينة ذاكرة للمستقبل.. ذاكرة للحب والانتماء..
أمينة رافقتني من دمشق إلى جبلة.. وها هي الآن تشرب القهوة معي تحت شجرة الغار التي في حديقتي.. أسألها.. ما رأيك أن نقطف باقة غار نقدمها للفنان الأصيل المخرج أيمن زيدان وكل العاملين معه .. هزت رأسها وأغمضت عينيها على طريقة (سهيل).. فكتبت لها كلمة شكراً.. أشارت أنها تقصد تلك الكلمة.
أنيسة عبود
التاريخ: الأربعاء 31-10-2018
رقم العدد : 16824

آخر الأخبار
درعا تشيّع شهداءها.. الاحتلال يتوعد باعتداءات جديدة ومجلس الأمن غائب هل تؤثر قرارات ترامب على سورية؟  ملك الأردن استقرار سوريا جزء لا يتجزأ من استقرار المنطقة 9 شهداء بالعدوان على درعا والاحتلال يهدد أهالي كويا دعت المجتمع الدولي لوقفها.. الخارجية: الاعتداءات الإسرائيلية محاولة لزعزعة استقرار سوريا معلوف لـ"الثورة": الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح ديب لـ"الثورة": تفعيل تشاركية القطاع الخاص مع تطلعات الحكومة الجديدة  سوريا: الدعم الدولي لتشكيل الحكومة حافز قوي لمواصلة مسيرة الإصلاحات البدء بإصلاح خطوط الكهرباء الرئيسية المغذية لمحافظة درعا الوقوف على جاهزية مستشفى الجولان الوطني ومنظومة الإسعاف القضاء الفرنسي يدين لوبان بالاختلاس ويمنعها من الترشح للرئاسة الإنفاق والاستهلاك في الأعياد بين انتعاش مؤقت وتضخم قادم إصدار ليرة سورية جديدة، حاجة أم رفاه؟ من كنيسة سيدة دمشق.. هنا الجامع الأموي بيربوك من كييف: بوتين لايريد السلام ويراهن على عامل الوقت The New York Times: توغلات إسرائيل داخل سوريا ولبنان تنبئ باحتلال طويل الأمد الاحتلال يواصل خرق الاتفاق..غارة جديدة على الضاحية ولبنان يدين السوداني يؤكد للرئيس الشرع وقوف العراق إلى جانب خيارات الشعب السوري السعودية: 122 مليون مسلم قصدوا الحرمين الشريفين في رمضان مسيرات للسلام والاحتفال بعيد الفطر في ريف دمشق