ثمة صمتٌ صاخبٌ بضجيج لا يهدأ يقسم نهاراتها من الشيء إلى ضده.
بالرغم من كل انشغالاتها، تتسلل مساحات صمت مشاغب..
تنشغل.. فلا تنفد الالتزامات ولا تنتهي الواجبات.
مع أنها وجدته وضعاً إيجابياً.. فأن تنشغل دون أن تجد وقتاً فارغاً، يعني أنك تُحسن العيش أو ربما وهمه.. بمعنى تُحسن إلهاء نفسك..
هل يعني الأمر أنها أتقنت الوصول إلى “جودة العيش”..؟
أو أنها أقنعت نفسها (أن أعمق ما في الحياة يكمن في تفاصيلها الصغيرة).. ولهذا تتلهى بسيل من هذه التفاصيل التي تملأ يومياتها وتتلذّذ بعيشها.
على الرغم من حالة إلهاء كاملة تجد نفسها غارقة بها مع موجودات وأفعال مادية بحتة، ثمة صمتٌ صاخبٌ بضجيج لا يهدأ يحفر في رأسها الكثير من دروب وسوسات أفكارٍ مشاكسة لا تقلّ صخباً عن الصمت “صمتها الظاهري” الذي أنشأها.
وقبالة تلك الموجودات والأفعال المادية الملحوظة التي تخدعنا بالمزيد من وهم العيش ثمة “موجودات، أشياء، أفعال” تكرّس وجودنا بطرق غير ملحوظة وغير مدركة حسيّاً..
إن لم يكن الأمر كذلك.. ما الذي يجعل أستاذ علم الأعصاب “أنطونيو داماسيو” ينطق عبارته (أنا أشعر إذا أنا موجود) وقبله كان “بول ريكور” جعل مساحة الوجود تلك مساوية تماماً لما تفعله الذاكرة والنسيان على السواء..
كلّها مساحات من الوجود غير الملموس مادياً.. الشعور.. التذكّر.. النسيان.. وقبلها وُجِد فعل “التفكير” وفق ما جعله ديكارت أساساً لوجوده.
صمتها يعني الوجود الأكثر التباساً وتوءمةً في الآن عينه مع كل الأفعال (الصامتة/الصائتة) السابقة.. هو الفعل الأكثر حضوراً، مراوغةً، وشغباً..
صمتها يتماهى مع قولها: (أشعر، أتذكر، أنسى، أفكر..).. وغيرها من مساحات وجودٍ لأفعال غير مرئية.
أليس من اللافت أن تكون أكثر أفعال وجودنا عمقاً، هي الأكثر صمتاً..؟!