حتى برحيله يدهشنا، كما فعلت أفلامه.
دون سابق انذار فاجأنا صانع الدهشة والحيرة السينمائية عبد اللطيف عبد الحميد بمغادرته الباكرة ليشق طريقه نحوعالم يجمعه بزوجته الراحلة لاريسا، والتي لم يترك مناسبة إلا ويذكر فراقها بألم لم يشف منه حتى آخرأيامه.
تعرفت على سينما عبد اللطيف عبد الحميد قبل أكثر من ثلاثين عاماً، بعد عرض فيلمه رسائل شفهية، الذي كتبه على ضوء الشموع لينير ليالي السينما أبداً، وليصبح أيقونة سينمائية يقتدي بها جيل كامل من السينمائيين تعلموا منه فن التكثيف والسخرية والانحياز إلى المنسيين لتمكنه من رصد عوالمهم المهمشة البسيطة بصدقية ومعرفة تدهشك في كلّ تفصيل.
البطولة في سينماه لا تنحاز فقط لتلك الشخصيات التي يلتقطها بغرائبية، بل إلى البيئة التي تعجن فيها شخصيات استثنائية تبدو فرادتها من اتساع حلمها وضيق الحصول عليه، ومع ذلك هناك نورما يتسلل إلينا في كلّ فيلم نضحك فيه وتجمد بعدها الدموع لتبقى متدفقة في داخلنا.
مع رحيله تبدو الخلطة السينمائية التي صاغ بنفسه أفلامه التي قاربت العشرين فيلماً تنوّعت ما بين الريف في رسائل شفهية، ليالي ابن آوى، والتجريب في صعود المطر، والرومانسية في نسيم الروح…ليختتم مسيرته السينمائية في فيلم الطريق المغاير لكلّ ما صنع في مقاربة حكاية حدثت للعالم الشهيراديسون حين أرسلوا لوالدته رسالة تفيد أنه غيرصالح للتعلم فتخفيها لتقول إنه عبقري.
وداعاً ساحر السينما السورية، وصانع بسمتها هزمك قلبك، ولكن انتصرت بسينماك وستبقى حاضراً لأنك السينمائي الذي حجم القبح وأعاننا على الخروج من كلّ العتمة المتفردة، ولم تخذلنا أفلامك يوماً.